فهرس الكتاب

الصفحة 4333 من 4997

ونحن نشهد في هذه السورة - وفي هذا الجزء كله - طرفا من تلك الجهود الضخمة،وطرفا من الأسلوب القرآني كذلك في بناء تلك النفوس،وفي علاج الأحداث والعادات والنزوات كما نشهد جانبا من الصراع الطويل بين الإسلام وخصومه المختلفين من مشركين ويهود ومنافقين.

وفي هذه السورة بصفة خاصة نشهد صورة موحية من رعاية اللّه للجماعة الناشئة وهو يصنعها على عينه،ويربيها بمنهجه،ويشعرها برعايته،ويبني في ضميرها الشعور الحي بوجوده - سبحانه - معها في أخص خصائصها،وأصغر شؤونها،وأخفى طواياها وحراسته لها من كيد أعدائها خفيه وظاهره وأخذها في حماه وكنفه،وضمها إلى لوائه وظله وتربية أخلاقها وعاداتها وتقاليدها تربية تليق بالجماعة التي تنضوي إلى كنف اللّه،وتنتسب إليه،وتؤلف حزبه في الأرض،وترفع لواءه لتعرف به في الأرض جميعا.

ومن ثم تبدأ السورة بصورة عجيبة من صور هذه الفترة الفريدة في تاريخ البشرية.فترة اتصال السماء بالأرض في صورة مباشرة محسوسة،ومشاركتها في الحياة اليومية لجماعة من الناس مشاركة ظاهرة: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ،وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» ..فنشهد السماء تتدخل في شأن يومي لأسرة صغيرة فقيرة مغمورة،لتقرر حكم اللّه في قضيتها،وقد سمع - سبحانه - للمرأة وهي تحاور رسول اللّه فيها،ولم تكد تسمعها عائشة وهي قريبة منها! وهي صورة تملأ القلب بوجود اللّه وقربه وعطفه ورعايته.يليها في سياق السورة توكيد أن الذين يحادون اللّه ورسوله - وهم أعداء الجماعة المسلمة التي تعيش في كنف اللّه - مكتوب عليهم الكبت والقهر في الأرض،والعذاب المهين في الآخرة،مأخوذون بما عملوا مما أحصاه اللّه عليهم،ونسوه هم وهم فاعلوه! «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» ..

ثم توكيد وتذكير بحضور اللّه - سبحانه - وشهوده لكل نجوى في خلوة،يحسب أصحابها أنهم منفردون بها.واللّه معهم أينما كانوا: «ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ،إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..وهي صورة تملأ القلب كذلك بوجود اللّه وحضوره،كما تملؤه برقابته واطلاعه.

وهذا التوكيد مقدمة لتهديد الذين يتناجون في خلواتهم لتدبير المكايد للمسلمين،وملء قلوبهم بالحزن والهم والتوجس.تهديد بأن أمرهم مكشوف،وأن عين اللّه مطلعة عليهم،ونجواهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول مسجلة،وأن اللّه آخذهم بها ومعذبهم عليها.ونهي للمسلمين عن التناجي بغير البر والتقوى،وتربية نفوسهم وتقويمها بهذا الخصوص.

ثم يستطرد في تربية هذه النفوس المؤمنة فيأخذها بأدب السماحة وبالطاعة في مجلس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومجالس العلم والذكر.كما يأخذها بأدب السؤال والحديث مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والجد في هذا الأمر والتوقير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت