فلا أنتم كنتم تتوقعون خروجهم ولا هم كانوا يسلمون في تصور وقوعه! فقد كانوا من القوة والمنعة في حصونهم بحيث لا تتوقعون أنتم أن تخرجوهم منها كما أخرجوا.وبحيث غرتهم هذه المنعة حتى نسوا قوة اللّه التي لا تردها الحصون! «فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ» .أتاهم من داخل أنفسهم! لا من داخل حصونهم! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب،ففتحوا حصونهم بأيديهم! وأراهم أنهم لا يملكون ذواتهم،ولا يحكمون قلوبهم،ولا يمتنعون على اللّه بإرادتهم وتصميمهم! فضلا على أن يمتنعوا عليه ببنيانهم وحصونهم.وقد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم.فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم اللّه منها.وهكذا حين يشاء اللّه أمرا.يأتي له من حيث يعلم ومن حيث يقدر،وهو يعلم كل شيء، وهو على كل شيء قدير.فلا حاجة إذن إلى سبب ولا إلى وسيلة،مما يعرفه الناس ويقدرونه.فالسبب حاضر دائما والوسيلة مهيأة.والسبب والنتيجة من صنعه،والوسيلة والغاية من خلقه ولن يمتنع عليه سبب ولا نتيجة،ولن يعز عليه وسيلة ولا غاية ...وهو العزيز الحكيم ..
ولقد تحصن الذين كفروا من أهل الكتاب بحصونهم فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب.ولقد امتنعوا بدورهم وبيوتهم فسلطهم اللّه على هذه الدور والبيوت يخربونها بأيديهم،ويمكنون المؤمنين من إخرابها: «يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ» ..
وبهذا تتم حكاية ما وقع للذين كفروا من أهل الكتاب،في تلك الصورة الموحية،وهذه الحركة المصورة ..واللّه - سبحانه - يأتيهم من وراء الحصون فتسقط بفعلهم هم ثم يزيدون فيخربونها بأيديهم وأيدي المؤمنين.
هنا يجيء أول تعقيب في ظل هذه الصورة،وعلى إيقاع هذه الحركة: « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ» .
وهو هتاف يجيء في مكانه وفي أوانه.والقلوب متهيئة للعظة متفتحة للاعتبار .
والآية التالية تقرر أن إرادة اللّه في النكاية بهم ما كانت لتعفيهم بأية حالة من نكال يصيبهم في الدنيا غير ما ينتظرهم في الآخرة: «وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا،وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ» ..فهو أمر مقرر أن ينالهم النكال من اللّه.بهذه الصورة التي وقعت أو بصورة أخرى.ولولا أن اختار اللّه جلاءهم لعذبهم عذابا آخر.غير عذاب النار الذي ينتظرهم هناك.فقد استحقوا عذاب اللّه في صورة من صوره على كل حال! «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» ..
والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق اللّه،وجانبا غير جانبه.وقد جعل اللّه جانبه هو جانب رسوله حين وصف علة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية.فاكتفى في عجزها بمشاقة اللّه وحده فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها.ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام اللّه - سبحانه - وهو موقف فيه تبجح