وأخيرا نقف أمام المشهد الرائع الأخير.مشهد الرجل المؤمن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي.وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل.تصديقا لمقاله هو: «ليخرجن الأعز منها الأذل» .ليعلم أن رسول اللّه هو الأعز.وأنه هو الأذل.ويظل يقفه حتى يأتي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيأذن له.فيدخلها بإذنه.ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل.في نفس الواقعة.وفي ذات الأوان.
ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال.رفعهم إلى هذه القمة،وهم بعد بشر،بهم ضعف البشر،وفيهم عواطف البشر،وخوالج البشر.وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة،حين يدركها الناس على حقيقتها،وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسيّ تأكل الطعام وتمشي في الأسواق.
ثم نعيش في ظلال النصوص القرآنية التي تضمنت تلك الأحداث: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) } [المنافقون:5]
فهم يفعلون الفعلة،ويطلقون القولة.فإذا عرفوا أنها بلغت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - جبنوا وتخاذلوا وراحوا يقسمون بالأيمان يتخذونها جنة.فإذا قال لهم قائل:تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه،وهم في أمن من مواجهته،لووا رؤوسهم ترفعا واستكبارا!
وهذه وتلك سمتان متلازمتان في النفس المنافقة.وإن كان هذا التصرف يجيء عادة ممن لهم مركز في قومهم ومقام.ولكنهم هم في ذوات أنفسهم أضعف من المواجهة فهم يستكبرون ويصدون ويلوون رؤوسهم ما داموا في أمان من المواجهة.حتى إذا ووجهوا كان الجبن والتخاذل والأيمان! ومن ثم يتوجه الخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بما قضاه اللّه في شأنهم على كل حال.وبعدم جدوى الاستغفار لهم بعد قضاء اللّه: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» ..
ويحكي طرفا من فسقهم،الذي استوجب قضاء اللّه فيهم: «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ:لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا» ..وهي قولة يتجلى فيها خبث الطبع،ولؤم النحيزة.وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان يتواصون بها على اختلاف الزمان والمكان،في حرب العقيدة ومناهضة الأديان.ذلك أنهم لخسة مشاعرهم يحسبون لقمة العيش هي كل شيء في الحياة كما هي في حسهم فيحاربون بها المؤمنين.
إنها خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب لينفضوا عن نصرة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويسلموه للمشركين! وهي خطة المنافقين كما تحكيها هذه الآية لينفض أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عنه تحت وطأة الضيق والجوع! وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين،ليموتوا جوعا أو يكفروا باللّه،ويتركوا الصلاة! وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى اللّه وحركة البعث الإسلامي في بلاد الإسلام،بالحصار والتجويع ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق