فهرس الكتاب

الصفحة 4450 من 4997

المكروهات خيرا،وأن اللّه يدخر لهم هذا الخير.فلا يجوز أن يفلتوه.إن لم يكن ينبغي لهم أن يستمسكوا به ويعزوه!

وليس أبلغ من هذا في استحياء الانعطاف الوجداني واستثارته،وترويض الكره وإطفاء شرته.

«فإذا تجاوز الأمر مسألة الحب والكره إلى النشوز والنفور،فليس الطلاق أول خاطر يهدي إليه الإسلام.بل لا بد من محاولة يقوم بها الآخرون،وتوفيق يحاوله الخيرون:«وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ،وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما.إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا» .. «وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا.فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» ..«فإذا لم تجد هذه الوساطة،فالأمر إذن جد،وهناك ما لا تستقيم معه هذه الحياة،ولا يستقر لها قرار.وإمساك الزوجية على هذا الوضع إنما هو محاولة فاشلة،يزيدها الضغط فشلا،ومن الحكمة التسليم بالواقع،وإنها هذه الحياة على كره من الإسلام،فإن أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق [1] .

فإذا أراد أن يطلق فليس في كل لحظة يجوز الطلاق.إنما السنة أن يكون في طهر لم يقع فيه وطء ..وفي هذا ما يؤجل فصم العقدة فترة بعد موقف الغضب والانفعال.وفي خلال هذه الفترة قد تتغير النفوس،وتقر القلوب،ويصلح اللّه بين المتخاصمين فلا يقع الطلاق! ثم بعد ذلك فترة العدة.ثلاثة قروء للتي تحيض وتلد.وثلاثة أشهر للآيسة والصغيرة.وفترة الحمل للحوامل.

وفي خلالها مجال للمعاودة إن نبضت في القلوب نابضة من مودة،ومن رغبة في استئناف ما انقطع من حبل الزوجية.ولكن هذه المحاولات كلها لا تنفي أن هناك انفصالا يقع،وحالات لا بد أن تواجهها الشريعة مواجهة عملية واقعية،فتشرع لها،وتنظم أوضاعها،وتعالج آثارها.وفي هذا كانت تلك الأحكام الدقيقة المفصلة،التي تدل على واقعية هذا الدين في علاجه للحياة،مع دفعها دائما إلى الأمام.ورفعها دائما إلى السماء.

والدلالة الرابعة للسورة وما فيها من الترغيب والترهيب والتعقيب والتفصيل الشديد والتوكيد،هو أنها كانت تواجه حالات واقعة في الجماعة المسلمة متخلفة من رواسب الجاهلية،وما كانت تلاقيه المرأة من العنت والخسف،مما اقتضى هذا التشديد،وهذا الحشد من المؤثرات النفسية،ومن التفصيلات الدقيقة،التي لا تدع مجالا للتلاعب والالتواء مع ما كان مستقرا في النفوس من تصورات متخلفة عن علاقات الجنسين،ومن تفكك وفوضى في الحياة العائلية [2] .

ولم يكن الحال هكذا في شبه الجزيرة وحدها،إنما كان شائعا في العالم كله يومذاك.فكان وضع المرأة هو وضع الرقيق أو ما هو أسوأ من الرقيق في جنبات الأرض جميعا.فوق ما كان ينظر إلى العلاقات الجنسية نظرة استقذار،وإلى المرأة كأنها شيطان يغري بهذه القذارة.

(1) - كتاب السلام العالمي والإسلام ص 65 - 66. «دار الشروق» ( السيد رحمه الله )

(2) - يراجع الجزء الواحد والعشرون ص 2824 - 2825. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت