وبعد ما أصبحت قريش مدعوة إلى الإسلام كافة،وأصبحت تدفع هذه الدعوة بالاتهامات الباطلة والحرب العنيفة التي اقتضت تلك الحملة العنيفة الواردة في السورة على المكذبين،والتهديد القاصم في أولها وفي آخرها على السواء ..والمشهد الأخير في السورة يوحي بهذا كذلك: «وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ:إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» ..فهو مشهد دعوة عامة لمجموعات كبيرة.ولم يكن الأمر كذلك في أول الدعوة.إنما كانت الدعوة توجه إلى أفراد.بوسيلة فردية.ولا تلقى إلى الذين كفروا وهم متجمعون.
ولم يقع شيء من هذا - كما تقول الروايات الراجحة - إلا بعد ثلاث سنوات من بدء الدعوة.
والسورة تشير إلى شيء من عروض المشركين على النبي - صلى الله عليه وسلم - للالتقاء في منتصف الطريق،والتهادن على تراض في القضية التي يختلفون عليها وهي قضية العقيدة: «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» ..وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية،ولا خطر منها.إنما تكون بعد ظهورها،وشعور المشركين بخطرها.
وهكذا تتضافر الشواهد على أن هذه السورة نزلت متأخرة عن أيام الدعوة الأولى.وأن هناك ثلاث سنوات على الأقل - قابلة للزيادة - بين بدء الدعوة وبين وقت نزولها.ولا يعقل أن ثلاث سنوات مرت لم يتنزل فيها قرآن.والطبيعي أن تكون هناك سور كثيرة،وأجزاء من سور قد نزلت في هذه الفترة،تتحدث عن ذات العقيدة بدون مهاجمة عنيفة للمكذبين بها كالوارد في هذه السورة منذ مطلعها.ولكن هذا لا ينفي أن تكون هذه السورة وسورتا المدثر والمزمل قد نزلت في الفترة الأولى من الدعوة.وإن لم يكن ذلك أول ما نزل كما هو وارد في المصاحف،للأسباب التي أوردناها هنا.وهي تكاد تنطبق كذلك على سورتي المزمل والمدثر.
لقد كانت هذه الغرسة - غرسة العقيدة الإسلامية - تودع في الأرض لأول مرة في صورتها الرفيعة المجردة الناصعة.وكانت غريبة على حس الجاهلية السائدة،لا في الجزيرة العربية وحدها بل كذلك في أنحاء الأرض جميعا.
وكانت النقلة عظيمة بين الصورة الباهتة المحرفة المشوهة من ملة إبراهيم التي يستمسك بخيوط حائلة منها مشركو قريش،ويلصقون بها الترهات والأساطير والأباطيل السائدة عندهم،وبين الصورة الباهرة العظيمة المستقيمة الواضحة البسيطة الشاملة المحيطة التي جاءهم بها محمد - صلى الله عليه وسلم - متفقة في أصولها مع الحنيفية الأولى - دين إبراهيم عليه السلام - وبالغة نهاية الكمال الذي يناسب كونها الرسالة الأخيرة للأرض،الباقية لتخاطب الرشد العقلي في البشرية إلى آخر الزمان.
وكانت النقلة عظيمة بين الشرك باللّه وتعدد الأرباب،وعبادة الملائكة وتماثيلها،والتعبد للجن وأرواحها،وسائر هذه التصورات المضطربة المفككة التي تتألف منها العقيدة الجاهلية ..وبين الصورة الباهرة التي يرسمها القرآن للذات الإلهية الواحدة وعظمتها وقدرتها،وتعلق إرادتها بكل مخلوق.