فهرس الكتاب

الصفحة 4551 من 4997

ومثل هذه الإشارة تفتح القلب وتنبه الوعي إلى أن هناك وراء مد البصر ووراء حدود الإدراك جوانب وعوالم وأسرارا أخرى لا يبصرها ولا يدركها.وتوسع بذلك آفاق التصور الإنساني للكون والحقيقة.فلا يعيش الإنسان سجين ما تراه عيناه،ولا أسير ما يدركه وعيه المحدود.فالكون أرحب والحقيقة أكبر من ذلك الجهاز الإنساني المزود بقدر محدود من الطاقة يناسب وظيفته في هذا الكون.ووظيفته في الحياة الدنيا هي الخلافة في هذه الأرض ..

ولكنه يملك أن يكبر ويرتفع إلى آماد وآفاق أكبر وأرفع حين يستيقن أن عينه ومداركه محدودة،وأن هناك وراء ما تدركه عينه ووعيه عوالم وحقائق أكبر - بما لا يقاس - مما وصل إليه ..عندئذ يتسامى على ذاته ويرتفع على نفسه،ويتصل بينابيع المعرفة الكلية التي تفيض على قلبه بالعلم والنور والاتصال المباشر بما وراء الستور! إن الذين يحصرون أنفسهم في حدود ما ترى العين،ويدرك الوعي،بأدواته الميسرة له ..مساكين! سجناء حسهم وإدراكهم المحدود.محصورون في عالم ضيق على سعته،صغير حين يقاس إلى ذلك الملك الكبير ..

وفي فترات مختلفة من تاريخ هذه البشرية كان كثيرون أو قليلون يسجنون أنفسهم بأيديهم في سجن الحس المحدود،والحاضر المشهود ويغلقون على أنفسهم نوافذ المعرفة والنور،والاتصال بالحق الكبير،عن طريق الإيمان والشعور.ويحاولون أن يغلقوا هذه النوافذ على الناس بعد ما أغلقوها على أنفسهم بأيديهم ..تارة باسم الجاهلية.وتارة باسم العلمانية! وهذه كتلك سجن كبير.وبؤس مرير.وانقطاع عن ينابيع المعرفة والنور! والعلم يتخلص في هذا القرن الأخير من تلك القضبان الحديدية التي صاغها - بحمق وغرور - حول نفسه في القرنين الماضيين ..يتخلص من تلك القضبان،ويتصل بالنور - عن طريق تجاربه ذاتها - بعد ما أفاق من سكرة الغرور والاندفاع من أسر الكنيسة الطاغية في أوربا [1] وعرف حدوده،وجرب أن أدواته المحدودة تقوده إلى غير المحدود في هذا الكون وفي حقيقته المكنونة.وعاد «العلم يدعو إلى الإيمان» [2] في تواضع تبشر أوائله بالفرج! أي نعم بالفرج.فما يسجن الإنسان نفسه وراء قضبان المادة الموهومة إلا وقد قدر عليه الضيق! ولقد رأينا عالما مثل ألكسيس كاريل الطبيب المتخصص في بحوث الخلية ونقل الدم والمشتغل بالطب علما وجراحة وإشرافا على معاهد العلاج والنظريات العلاجية،وصاحب جائزة نوبل سنة 1912 ومدير معهد الدراسات الإنسانية بفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية يرى:« أن الكون على رحبه مملوء بعقول فعالة غير عقولنا،وأن العقل الإنساني هاد قاصد بين دروب التيه التي حوله إذا كان معوله كله على

(1) - يراجع بتوسع كتاب:الإنسان بين المادية والإسلام لمحمد قطب .. فصل نظرة المسيحية وفصل فرويد «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

(2) - عنوان ترجمة كتاب ا. كريسي موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك لمحمود صالح الفلكي. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت