الجبار القدير.وإلى جانب الدعوة الساحقة الماحقة التي جعلها خاتمة دعائه وهو يقول: «وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا» - أي هلاكا ودمارا - إلى جانب هذا كان الابتهال الخاشع الودود: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ،وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا،وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ...» ..ودعاء نوح النبي لربه أن يغفر له ..هو الأدب النبوي الكريم في حضرة اللّه العلي العظيم ..أدب العبد في حضرة الرب.العبد الذي لا ينسى أنه بشر،وأنه يخطئ،وأنه يقصر،مهما يطع ويعبد،وأنه لا يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده اللّه بفضله،كما قال أخوه النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - [1] .
وهذا هو الاستغفار الذي دعا قومه العصاة الخاطئين إليه،فاستكبروا عليه ..وهو هو النبي يستغفر بعد كل هذا الجهد وكل هذا العناء.يستغفر وهو يقدم لربه سجل الحساب! ودعاؤه لوالديه ..هو بر النبوة بالوالدين المؤمنين - كما نفهم من هذا الدعاء - ولو لم يكونا مؤمنين لروجع فيهما كما روجع في شأن ولده الكافر الذي أغرق مع المغرقين (كما جاء في سورة هود) .
ودعاؤه الخاص لمن دخل بيته مؤمنا ..هو بر المؤمن بالمؤمن وحب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه،وتخصيص الذي يدخل بيته مؤمنا،لأن هذه كانت علامة النجاة،وحصر المؤمنين الذين سيصحبهم معه في السفينة.ودعاؤه العام بعد ذلك للمؤمنين والمؤمنات ..هو بر المؤمن بالمؤمنين كافة في كل زمان ومكان.وشعوره بآصرة القربى على مدار الزمن واختلاف السكن.وهو السر العجيب في هذه العقيدة التي تربط بين أصحابها برباط الحب الوثيق،والشوق العميق،على تباعد الزمان والمكان.السر الذي أودعه اللّه هذه العقيدة،وأودعه هذه القلوب المربوطة برباط العقيدة ..
وفي مقابل هذا الحب للمؤمنين،كان الكره للظالمين. «وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا» ..
وتختم السورة،وقد عرضت تلك الصورة الوضيئة لجهاد النبي الكريم نوح عليه السلام.وتلك الصورة المطموسة لإصرار المعاندين الظالمين ..وقد تركت هذه وتلك في القلب حبا لهذا الروح الكريم وإعجابا بهذا الجهاد النبيل،وزادا للسير في هذا الطريق الصاعد،أيا كانت المشاق والمتاعب.وأيا كانت التضحيات والآلام.فهو الطريق الوحيد الذي ينتهي بالبشرية إلى أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض.حين ينتهي بها إلى اللّه،العلي الأعلى،الجليل العظيم ..
(1) - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ « لَنْ يُنْجِىَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ » . قَالَ رَجُلٌ وَلاَ إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « وَلاَ إِيَّاىَ إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِىَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا » .صحيح مسلم- المكنز [18 /121] (7289 )
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا:وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:وَلاَ أَنَا،إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ،وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ.مسند أحمد (عالم الكتب) [3 /80] (7479) 7473 صحيح