فهرس الكتاب
وَقَدَّرَ.فَقُتِلَ! كَيْفَ قَدَّرَ؟ ثُمَّ قُتِلَ:كَيْفَ قَدَّرَ؟ ثُمَّ نَظَرَ،ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ.ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ.فَقالَ:إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ.إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» ..ثم تذكر مصيره: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ.وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ،لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ.لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ.عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» ..
وبمناسبة مشهد سقر.والقائمين عليها التسعة عشر.وما أثاره هذا العدد من بلبلة وفتنة وتساؤل وشك واستهزاء في أوساط المشركين وضعاف الإيمان،تتحدث السورة عن حكمة اللّه في ذكر هذا العدد،ثم تفتح كوة على حقيقة غيب اللّه،واختصاصه بهذا الغيب.وهي كوة تلقي ضوءا على جانب من التصور الإيماني لحقيقة غيب اللّه المكنون: «وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً.وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا،لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ،وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا،وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ،وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ:ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟ كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ،وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ،وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ» ..
ثم يصل أمر الآخرة وسقر ومن عليها بمشاهد كونية حاضرة،ليجمع على القلوب إيحاء هذه وتلك في معرض الإيقاظ والتحذير: «كَلَّا وَالْقَمَرِ.وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ.وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ.إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ.نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» ..
كما يعرض مقام المجرمين ومقام أصحاب اليمين،حيث يعترف المكذبون اعتراف ا طويلا بأسباب استحقاقهم للارتهان والقيد في يوم الجزاء والحساب،يعقب عليه بكلمة الفصل في أمرهم الذي لا تنفعهم فيه شفاعة شافع: «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ.إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ.فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ.ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قالُوا:لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ.وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ.وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ.وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ.حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ.فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» ..
وفي ظل هذا المشهد المخزي،والاعتراف المهين،يتساءل مستنكرا موقف المكذبين من الدعوة إلى التذكرة والنجاة من هذا المصير،ويرسم لهم مشهدا ساخرا يثير الضحك والزراية من نفارهم الحيواني الشموس: «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ.فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ!» .
ويكشف عن حقيقة الغرور الذي يساورهم فيمنعهم من الاستجابة لصوت المذكر الناصح. «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً» ..فهو الحسد للنبي - صلى الله عليه وسلم - والرغبة في أن يؤتى كل منهم الرسالة! والسبب الدفين الآخر هو قلة التقوى: «كَلَّا! بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ» ..
وفي الختام يجيء التقرير الجازم الذي لا مجاملة فيه: «كَلَّا! إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ.فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» ورد الأمر كله إلى مشيئة اللّه وقدره: «وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» ..
وهكذا تمثل السورة حلقة من حلقات الكفاح النفسي الذي كافحه القرآن للجاهلية وتصوراتها في قلوب قريش كما كافح العناد والكيد والإعراض الناشئ عن العمد والقصد بشتى الأساليب ..والمشابهات كثيرة بين اتجاهات هذه السورة واتجاهات سورة المزمل،وسورة القلم،مما يدل على أنها