فهرس الكتاب

الصفحة 4631 من 4997

كبشة،وما قوله إلا سحر يؤثر.فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } إلى قوله: { لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ } [1]

هذه هي الواقعة كما جاءت بها الروايات.فأما القرآن فيسوقها هذه السياقة الحية المثيرة ..يبدأ بذلك التهديد القاصم الرهيب. «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» ..

والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعناه خل بيني وبين هذا الذي خلقته وحيدا مجردا من كل شيء آخر مما يعتز به من مال كثير ممدود وبنين حاضرين شهود ونعم يتبطر بها ويختال ويطلب المزيد.خل بيني وبينه ولا تشغل بالك بمكره وكيده.فأنا سأتولى حربه ..وهنا يرتعش الحس ارتعاشة الفزع المزلزل وهو يتصور انطلاق القوة التي لا حد لها ..قوة الجبار القهار ..لتسحق هذا المخلوق المضعوف المسكين الهزيل الضئيل! وهي الرعشة التي يطلقها النص القرآني في قلب القارئ والسامع الآمنين منها.فما بال الذي تتجه إليه وتواجهه! ويطيل النص في وصف حال هذا المخلوق،وما آتاه اللّه من نعمه وآلائه،قبل أن يذكر إعراضه وعناده.

فهو قد خلقه وحيدا مجردا من كل شيء حتى من ثيابه! ثم جعل له مالا كثيرا ممدودا.ورزقه بنين من حوله حاضرين شهودا،فهو منهم في أنس وعزوة.ومهد له الحياة تمهيدا ويسرها له تيسيرا .. «ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ» ..فهو لا يقنع بما أوتي،ولا يشكر ويكتفي ..أم لعله يطمع في أن ينزل عليه الوحي وأن يعطى كتابا كما سيجيء في آخر السورة: «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً» ..فقد كان ممن يحسدون الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إعطائه النبوة.

وهنا يردعه ردعا عنيفا عن هذا الطمع الذي لم يقدم حسنة ولا طاعة ولا شكرا للّه يرجو بسببه المزيد: «كَلَّا!» ،وهي كلمة ردع وتبكيت - «إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا» ..فعاند دلائل الحق وموحيات الإيمان.

ووقف في وجه الدعوة،وحارب رسولها،وصد عنها نفسه وغيره،وأطلق حواليها الأضاليل.

ويعقب على الردع بالوعيد الذي يبدل اليسر عسرا،والتمهيد مشقة! «سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا» ..

وهو تعبير مصور لحركة المشقة.فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقا.فإذا كان دفعا من غير إرادة من المصعد كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقا.وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة.فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر الودود،يندبّ في طريق وعر شاق مبتوت ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق،كأنما يصعد في السماء،أو يصعد في وعر صلد لا ريّ فيه ولا زاد،ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق! ثم يرسم تلك الصورة المبدعة المثيرة للسخرية والرجل يكد ذهنه! ويعصر أعصابه! ويقبض جبينه! وتكلح ملامحه وقسماته ..كل ذلك ليجد عيبا يعيب به هذا القرآن،وليجد

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [24 /24] وتفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /267] ضعيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت