والذكر توفيق من اللّه ييسره لمن يعلم من حقيقة نفسه أنه يستحق التوفيق."إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ" [1] .فإذا علم من العبد صدق النية وجهه إلى الطاعات.
والعبد لا يعرف ماذا يشاء اللّه به.فهذا من الغيب المحجوب عنه.ولكنه يعرف ماذا يريد اللّه منه،فهذا مما بينه له.فإذا صدقت نيته في النهوض بما كلف أعانه اللّه ووجهه وفق مشيئته الطليقة.
والذي يريد القرآن أن يطبعه في حس المسلم هو طلاقة هذه المشيئة،وإحاطتها بكل مشيئة،حتى يكون التوجه إليها من العبد خالصا،والاستسلام لها ممحضا ..فهذه هي حقيقة الإسلام القلبية التي لا يستقر في قلب بدونها.وإذا استقرت فيه كيفته تكييفيا خاصا من داخله،وأنشأت فيه تصورا خاصا يحتكم إليه في كل أحداث الحياة ..وهذا هو المقصود ابتداء من تقرير طلاقة المشيئة الإلهية وشمولها عقب الحديث عن كل وعد بجنة أو نار،وبهدى أو ضلال.
فأما أخذ هذا الإطلاق،والانحراف به إلى جدل حول الجبر والاختيار،فهو اقتطاع لجانب من تصور كلي وحقيقة مطلقة،والتحيز بها في درب ضيق مغلق لا ينتهي إلى قول مريح.لأنها لم تجئ في السياق القرآني لمثل هذا التحيز في الدرب الضيق المغلق! «وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» ..فهم لا يصادمون بمشيئتهم مشيئة اللّه،ولا يتحركون في اتجاه،إلا بإرادة من اللّه،تقدرهم على الحركة والاتجاه.واللّه «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى » ..يستحقها من عباده.فهم مطالبون بها ..
«وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» ..يتفضل بها على عباده وفق مشيئته.والتقوى تستأهل المغفرة،واللّه - سبحانه - أهل لهما جميعا.بهذه التسبيحة الخاشعة تختم السورة،وفي النفس منها تطلع إلى وجه اللّه الكريم،أن يشاء بالتوفيق إلى الذكر،والتوجيه إلى التقوى،والتفضل بالمغفرة. «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» .
(1) - عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ « يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِى عَلَى دِينِكَ » . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا قَالَ « نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ » .سنن الترمذى- المكنز [8 /280] (2290 ) صحيح
وعَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ،قَالَ:حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلاَنِيُّ،أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ،يَقُولُ:سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ،يَقُولُ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،يَقُولُ:إِنَّ قُلُوبَ ابْنِ آدَمَ مُلْقًى بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:اللَّهُمَّ اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ.صحيح مسلم- المكنز [17 /179] (6921 ) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [3 /184] (902)
وعَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ،قَالَ:سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيَّ،أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ،يَقُولُ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ:مَا مِنْ قَلْبٍ إِلاَّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ،إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ،وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ. قَالَ:وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،يَقُولُ:يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ،ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ. قَالَ:وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ قَوْمًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [3 /223] (943) صحيح