فهرس الكتاب

الصفحة 4650 من 4997

التوجيهية للقلب البشري،كي يتلفت ويستحضر الروابط والصلات،والأهداف والغايات،والعلل والأسباب،التي تربط وجوده بالوجود كله،وبالإرادة المدبرة للوجود كله.

وفي غير تعقيد ولا غموض يأتي بالدلائل الواقعة البسيطة التي تشهد بأن الإنسان لن يترك سدى ..إنها دلائل نشأته الأولى: «أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ؟ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى؟ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ؟» .فما هذا الإنسان؟ مم خلق؟ وكيف كان؟ وكيف صار؟ وكيف قطع رحلته الكبيرة حتى جاء إلى هذا الكوكب؟

ألم يك نطفة صغيرة من الماء،من مني يمنى ويراق؟ ألم تتحول هذه النطفة من خلية واحدة صغيرة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم،تعلق بجدرانه لتعيش وتستمد الغذاء؟ فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة؟ ومن ذا الذي أودعها هذه القدرة؟ ومن ذا الذي وجهها هذا الاتجاه؟

ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك جنينا معتدلا منسق الأعضاء؟ مؤلفا جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحية،وهو في الأصل خلية واحدة مع بويضة؟ والرحلة المديدة التي قطعها من الخلية الواحدة إلى الجنين السوي - وهي أطول بمراحل من رحلته من مولده إلى مماته - والتغيرات التي تحدث في كيانه في الرحلة الجنينية أكثر وأوسع مدى من كل ما يصادفه من الأحداث في رحلته من مولده إلى مماته! فمن ذا الذي قاد هذه الرحلة المديدة،وهو خليقة صغيرة ضعيفة،لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب؟! ثم في النهاية.من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة ..الذكر والأنثى؟ ..أي إرادة كانت لهذه الخلية في أن تكون ذكرا؟ وأي إرادة لتلك في أن تكون أنثى؟ أم من ذا الذي يزعم أنه تدخل فقاد خطواتهما في ظلمات الرحم إلى هذا الاختيار؟!

إنه لا مفر من الإحساس باليد اللطيفة المدبرة التي قادت النطفة المراقة في طريقها الطويل،حتى انتهت بها إلى ذلك المصير .. «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى » ..

وأمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضا على الحس البشري،يجيء الإيقاع الشامل لجملة من الحقائق التي تعالجها السورة: «أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؟» ..

بلى! سبحانه! فإنه لقادر على أن يحيي الموتى! بلى! سبحانه! فإنه لقادر على النشأة الأخرى! بلى! سبحانه! وما يملك الإنسان إلا أن يخشع أمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضا.

وهكذا تنتهي السورة بهذا الإيقاع الحاسم الجازم،القوي العميق،الذي يملأ الحس ويفيض،بحقيقة الوجود الإنساني وما وراءها من تدبير وتقدير ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت