مُسْتَطِيرًا،وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ - عَلى حُبِّهِ - مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا.إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا.إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا» ..
ثم تعرض جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف،الخائفين من اليوم العبوس القمطرير،الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام،يبتغون وجه اللّه وحده،لا يريدون شكورا من أحد،إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير!
تعرض جزاء هؤلاء الخائفين الوجلين المطعمين المؤثرين.فإذا هو الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد: « فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ،وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا،وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا.مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا.وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا.وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا،قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا.وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا،عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا.وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا.وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا.عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ،وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا.إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا» .
فإذا انتهى معرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود،اتجه الخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لتثبيته على الدعوة - في وجه الإعراض والكفر والتكذيب - وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم اللّه في الأمر والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا.فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا.وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا،وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا» ..
ثم تذكيرهم باليوم الثقيل الذي لا يحسبون حسابه والذي يخافه الأبرار ويتقونه،والتلويح لهم بهوان أمرهم على اللّه،الذي خلقهم ومنحهم ما هم فيه من القوة،وهو قادر على الذهاب بهم،والإتيان بقوم آخرين لولا تفضله عليهم بالبقاء،لتمضي مشيئة الابتلاء .ويلوح لهم في الختام بعاقبة هذا الابتلاء: «إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا.نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا.إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا.وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ،إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» ..
تبدأ السورة بالتذكير بنشأة الإنسان وتقدير اللّه في هذه النشأة،على أساس الابتلاء ،وتختم ببيان عاقبة الابتلاء ،كما اقتضت المشيئة منذ الابتداء.فتوحي بذلك البدء وهذا الختام بما وراء الحياة كلها من تدبير وتقدير،لا ينبغي معه أن يمضي الإنسان في استهتاره.غير واع ولا مدرك،وهو مخلوق ليبتلى،وموهوب نعمة الإدراك لينجح في الابتلاء .
وبين المطلع والختام ترد أطول صورة قرآنية لمشاهد النعيم.أو من أطولها إذا اعتبرنا ما جاء في سورة الواقعة من صور النعيم،وهو نعيم حسي في جملته،ومعه القبول والتكريم،وهو بتفصيله هذا وحسيته