والجولة الأولى تقع في مشاهد يوم الفصل.وهي تصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض،وهي الموعد الذي تنتهي إليه الرسل بحسابها مع البشر: «فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ.وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ.وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ.وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ.لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ؟ لِيَوْمِ الْفَصْلِ.وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» .
والجولة الثانية مع مصارع الغابرين،وما تشير إليه من سنن اللّه في المكذبين: «أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ؟ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ؟ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
والجولة الثالثة مع النشأة الأولى وما توحي به من تقدير وتدبير: «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ؟ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ؟ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ؟ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
والجولة الرابعة في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتا،وقد جهزت لهم بالاستقرار والماء المحيي: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا؟ أَحْياءً وَأَمْواتًا،وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
والجولة الخامسة مع المكذبين وما يلقونه يوم الفصل من عذاب وتأنيب: «انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ! لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ.إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» .
والجولة السادسة والسابعة استطراد مع موقف المكذبين،ومزيد من التأنيب والترذيل: «هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ،وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ! هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ.فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
والجولة الثامنة مع المتقين،وما أعد لهم من نعيم: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ،وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ.كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» .
والجولة التاسعة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب: «كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» ..
والجولة العاشرة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التكذيب: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ:ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ.وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ!» .والخاتمة بعد هذه الجولات والاستعراضات والوخزات والإيقاعات: «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟» ..
وهكذا يمضي القلب مع سياق السورة السريع،وكأنه يلهث مع إيقاعها وصورها ومشاهدها.فأما الحقائق الموضوعية في السورة فقد تكرر ورودها في سور القرآن - والمكية منها بوجه خاص - ولكن الحقائق القرآنية تعرض من جوانب متعددة،وفي أضواء متعددة،وبطعوم ومذاقات متعددة،وفق