قلوبهم مسألة ضرورة لا بد منها لبناء العقيدة في نفوسهم على أصولها،ثم لتصحيح موازين القيم في حياتهم جميعا.
فالاعتقاد باليوم الآخر هو حجر الأساس في العقيدة السماوية،كما أنه حجر الأساس في تصور الحياة الإنسانية.وإليه مرد كل شيء في هذه الحياة،وتصحيح الموازين والقيم في كل شأن من شؤونها جميعا ..ومن ثم اقتضت هذا الجهد الطويل الثابت لتقريرها في القلوب والعقول.
واللّه سبحانه يقسم في مطلع هذه السورة على أن هذا الوعد بالآخرة واقع.وصيغة القسم توحي ابتداء بأن ما يقسم اللّه به هو من مجاهيل الغيب،وقواه المكنونة،المؤثرة في هذا الكون وفي حياة البشر.وقد اختلف السلف في حقيقة مدلولها.فقال بعضهم:هي الرياح إطلاقا.وقال بعضهم هي الملائكة إطلاقا.وقال بعضهم:إن بعضها يعني الرياح وبعضها يعني الملائكة ..مما يدل على غموض هذه الألفاظ ومدلولاتها.وهذا الغموض هو أنسب شيء للقسم بها على الأمر الغيبي المكنون في علم اللّه.وأنه واقع كما أن هذه المدلولات المغيبة واقعة ومؤثرة في حياة البشر.
«وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا» ..عن أبي هريرة أنها الملائكة.وروي مثل هذا عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات،والسدي والربيع بن أنس،وأبي صالح في رواية (والمعنى حينئذ هو القسم بالملائكة المرسلة أرسالا متوالية،كأنها عرف الفرس في إرسالها وتتابعها) .
وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات ..إنها الملائكة.
وروي عن ابن مسعود ..المرسلات عرفا.قال:الريح. (والمعنى على هذا أنها المرسلة متوالية كعرف الفرس في امتدادها وتتابعها) وكذا قال في العاصفات عصفا والناشرات نشرا.وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية.وتوقف ابن جرير في المرسلات عرفا هل هي الملائكة أو الرياح.وقطع بأن العاصفات هي الرياح.وكذلك الناشرات التي تنشر السحاب في آفاق السماء.
وعن ابن مسعود: «فَالْفارِقاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا،عُذْرًا أَوْ نُذْرًا» يعني الملائكة.وكذا قال:ابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري بلا خلاف.فإنها تنزل بأمر اللّه على الرسل،تفرق بين الحق والباطل.وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار [1] .
ونحن نلمح أن التهويل بالتجهيل ملحوظ في هذه الأمور المقسم بها كالشأن في الذاريات ذروا.وفي النازعات غرقا ..وأن هذا الخلاف في شأنها دليل على إبهامها.وأن هذا الإبهام عنصر أصيل فيها في موضعها هذا.وأن الإيحاء المجمل في التلويح بها هو أظهر شيء في هذا المقام.وأنها هي بذاتها تحدث هزة شعورية بإيحاء جرسها وتتابع إيقاعها،والظلال المباشرة التي تلقيها.وهذه الانتفاضة والهزة اللتان تحدثهما في النفس هما أليق شيء بموضوع السورة واتجاهها ..وكل مقطع من مقاطع السورة بعد
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [24 /122]