ثم يفصل شيئا من هذا الكرم الإلهي،الذي أجمله في النداء الموحي العميق الدلالة،المشتمل على الكثير من الإشارات المضمرة في التعبير.يفصل شيئا من هذا الكرم الإلهي المغدق على الإنسان المتمثل في إنسانيته التي ناداه بها في صدر الآية.فيشير في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته وتعديله وهو القادر على أن يركبه في أي صورة وفق مشيئته.فاختياره هذه الصورة له منبثق من كرمه وحده،ومن فضله وحده،ومن فيضه المغدق على هذا الإنسان الذي لا يشكر ولا يقدر.بل يغتر ويسدر! «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ؟» ..إنه خطاب يهز كل ذرة في كيان الإنسان حين تستيقظ إنسانيته،ويبلغ من القلب شغافه وأعماقه،وربه الكريم يعاتبه هذا العتاب الجليل،ويذكره هذا الجميل،بينما هو سادر في التقصير،سيئ الأدب في حق مولاه الذي خلقه فسواه فعدله ..
إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة،الكاملة الشكل والوظيفة،أمر يستحق التدبر الطويل،والشكر العميق،والأدب الجم،والحب لربه الكريم،الذي أكرمه بهذه الخلقة،تفضلا منه ورعاية ومنة.فقد كان قادرا أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها.فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة.
وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين،سوي الخلقة،معتدل التصميم،وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو،وأعجب من كل ما يراه حوله.
وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي،وفي تكوينه العقلي،وفي تكوينه الروحي سواء،وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء! وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنساني العضوي ودقته وإحكامه وليس هنا مجال التوسع الكامل في عرض عجائب هذا التكوين.ولكنا نكتفي بالإشارة إلى بعضها ..هذه الأجهزة العامة لتكوين الإنسان الجسدي ..الجهاز العظمي.والجهاز العضلي.والجهاز الجلدي.والجهاز الهضمي.والجهاز الدموي.والجهاز التنفسي.والجهاز التناسلي.والجهاز اللمفاوي.والجهاز العصبي.والجهاز البولي.وأجهزة الذوق والشم والسمع والبصر ..كل منها عجيبة لا تقاس إليها كل العجائب الصناعية التي يقف الإنسان مدهوشا أمامها.وينسى عجائب ذاته وهي أضخم وأعمق وأدق بما لا يقاس! «تقول مجلة العلوم الإنجليزية:إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية الفذة وإنه من الصعب جدا - بل من المستحيل - أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية من حيث البساطة والقدرة وسرعة التكيف.فحينما تريد قراءة كتاب تتناوله بيدك،ثم تثبته في الوضع الملائم للقراءة.وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائيا.
وحينما تقلب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة،وتضغط عليها بالدرجة التي تقلبها بها،ثم يزول الضغط بقلب الورقة.واليد تمسك القلم وتكتب به.وتستعمل كافة الآلات التي تلزم الإنسان من