:تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ،وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ،ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِكَ،ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ،ثُمَّ قُلْ:بِسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلاَمِ،ثُمَّ ارْمِنِي،فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي.فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ،ثُمَّ صَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ،ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ،ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ قَوْسِهِ،ثُمَّ،قَالَ:بِسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلاَمِ،ثُمَّ رَمَاهُ،فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ،فَوَضَعَ يَدَهُ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ،فَقَالَ النَّاسُ:آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ،آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ،ثَلاَثًا.فَأُتِيَ الْمَلِكُ،فَقِيلَ لَهُ:أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ،قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ،قَدْ آمَنَ النَّاسُ.فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ،وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ:مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ،فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا،فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا،فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ:يَا أُمَّهِ اصْبِرِي،فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. [1]
وتبدأ الإشارة إلى الحادث بإعلان النقمة على أصحاب الأخدود: «قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ» ..وهي كلمة تدل على الغضب.غضب اللّه على الفعلة وفاعليها.كما تدل على شناعة الذنب الذي يثير غضب الحليم،ونقمته،ووعيده بالقتل لفاعليه.
ثم يجيء تفسير الأخدود: «النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ» والأخدود:الشق في الأرض.وكان أصحابه قد شقوه وأوقدوا فيه النار حتى ملأوه نارا،فصارت النار بدلا في التعبير من الأخدود للإيحاء بتلهب النار فيه كله وتوقدها.
قتل أصحاب الأخدود،واستحقوا هذه النقمة وهذا الغضب،في الحالة التي كانوا عليها وهم يرتكبون ذلك الإثم،ويزاولون تلك الجريمة: «إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ.وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ» ..وهو تعبير يصور موقفهم ومشهدهم،وهم يوقدون النار،ويلقون بالمؤمنين والمؤمنات فيها وهم قعود على النار،قريبون من عملية التعذيب البشعة،يشاهدون أطوار التعذيب،وفعل النار في الأجسام في لذة وسعار،كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع! وما كان للمؤمنين من ذنب عندهم ولا ثأر: «وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» ..فهذه جريمتهم أنهم آمنوا باللّه،العزيز:القادر على ما يريد،الحميد:المستحق للحمد في كل حال،والمحمود بذاته ولو لم يحمده الجهال! وهو الحقيق بالإيمان وبالعبودية له.وهو وحده الذي له ملك السماوات والأرض وهو يشهد كل شيء وتتعلق به إرادته تعلق الحضور.
ثم هو الشهيد على ما كان من أمر المؤمنين وأصحاب الأخدود ..وهذه لمسة تطمئن قلوب المؤمنين،وتهدد العتاة المتجبرين.فاللّه كان شهيدا.وكفى باللّه شهيدا.
(1) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [3 /153] ( 873 ) صحيح -زيادة مني