فهرس الكتاب

الصفحة 4782 من 4997

والخطاب هنا لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ابتداء.وهذا الأمر صادر إليه من ربه.بهذه الصيغة: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» ..وفيه من التلطف والإيناس ما يجل عن التعبير.وقد كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذا الأمر،ثم يعقب عليه بالاستجابة المباشرة،قبل أن يمضي في آيات السورة،يقول: «سبحان ربي الأعلى» ..فهو خطاب ورده.وأمر وطاعته.وإيناس ومجاوبته ..إنه في حضرة ربه،يتلقى مباشرة ويستجيب.في أنس وفي اتصال قريب ..عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ،قَالَ:لَمَّا نَزَلَتْ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة] ،قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ،فَلَمَّا نَزَلَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى] ،قَالَ:اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ. [1] ..

فهذا التسبيح في الركوع والسجود كلمة حية ألحقت بالصلاة وهي دافئة بالحياة.لتكون استجابة مباشرة لأمر مباشر.أو بتعبير أدق ..لإذن مباشر ..فإذن اللّه لعباده بأن يحمدوه ويسبحوه إحدى نعمه عليهم وأفضاله.إنه إذن بالاتصال به - سبحانه - في صورة مقربة إلى مدارك البشر المحدودة.صورة تفضل اللّه عليهم بها ليعرفهم ذاته.في صفاته.

في الحدود التي يملكون أن يتطلعوا إليها.وكل إذن للعباد بالاتصال باللّه في أية صورة من صور الاتصال،هو مكرمة له وفضل على العباد.

«سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» .. «الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى.وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى » ..

الذي خلق كل شيء فسواه،فأكمل صنعته،وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه ..والذي قدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه لأجله،وألهمه غاية وجوده وقدر له ما يصلحه مدة بقائه،وهداه إليه أيضا ..وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة في كل شيء في هذا الوجود يشهد بها كل شيء في رحاب الوجود.من الكبير إلى الصغير.ومن الجليل إلى الحقير ..كل شيء مسوى في صنعته،كامل في خلقته.معد لأداء وظيفته.مقدر له غاية وجوده،وهو ميسر لتحقيق هذه الغاية من أيسر طريق ..وجميع الأشياء مجتمعة كاملة التناسق،ميسرة لكي تؤدي في تجمعها دورها الجماعي مثلما هي ميسرة فرادى لكي تؤدي دورها الفردي.الذرة بمفردها كاملة التناسق بين كهاربها وبروتوناتها وإلكتروناتها،شأنها شأن المجموعة الشمسية في تناسق شمسها وكواكبها وتوابعها ..وهي تعرف طريقها وتؤدي مثلها وظيفتها ..والخلية الحية المفردة كاملة الخلقة والاستعداد لأداء وظائفها كلها،شأنها شأن أرقى الخلائق الحية المركبة المعقدة.

وبين الذرة المفردة والمجموعة الشمسية كما بين الخلية الواحدة وأرقى الكائنات الحية،درجات من التنظيمات والتركيبات كلها في مثل هذا الكمال الخلقي،وفي مثل هذا التناسق الجماعي،وفي مثل هذا التدبير والتقدير الذي يحكمها ويصرفها ..والكون كله هو الشاهد الحاضر على هذه الحقيقة العميقة.

(1) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [5 /225] (1898) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت