فهرس الكتاب
وقد جمع اللّه في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم ..مصرع:
« عاد إرم» وهي عاد الأولى.وقيل:إنها من العرب العاربة أو البادية.وكان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمال.في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن.وكانوا بدوا ذوي خيام تقوم على عماد.وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش،فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها: «الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» في ذلك الأوان ..
«وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ» ..وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام.وقد قطعت الصخر وشيدته قصورا كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات ..
«وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ» ..وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان.وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار.
هؤلاء هم «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ،فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ» ..وليس وراء الطغيان إلا الفساد.فالطغيان يفسد الطاغية،ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء.كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة.ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف،المعمر الباني،إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال ..إنه يجعل الطاغية أسير هواه،لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت،ولا يقف عند حد ظاهر،فيفسد هو أول من يفسد ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف وكذلك قال فرعون.. «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » عند ما أفسده طغيانه،فتجاوز به مكان العبد المخلوق،وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح،وهو فساد أي فساد.
ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء،مع السخط الدفين والحقد الكظيم،فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية،وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية.والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن،وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة.وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك.وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع،وهو فساد أي فساد ..
ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة،لأنها خطر على الطغاة والطغيان.فلا بد من تزييف للقيم،وتزوير في الموازين،وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة،وتراها مقبولة مستساغة ..وهو فساد أي فساد.
فلما أكثروا في الأرض الفساد،كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد: «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ.إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» ..فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم.فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب،وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط،وبفيضه وغمره حين يذكر الصب.حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية،على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان.