إن الإنسان يغتر بقوته،واللّه هو المنعم عليه بهذا القدر من القوة.ويضن بالمال.واللّه هو المنعم عليه بهذا المال.ولا يهتدي ولا يشكر،وقد جعل له من الحواس ما يهديه في عالم المحسوسات:جعل له عينين على هذا القدر من الدقة في تركيبهما وفي قدرتهما على الإبصار.وميزه بالنطق،وأعطاه أداته المحكمة: «وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ» ..ثم أودع نفسه خصائص القدرة على إدراك الخير والشر،والهدى والضلال،والحق والباطل: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» ..
ليختار أيهما شاء،ففي طبيعته هذا الاستعداد المزدوج لسلوك أي النجدين.والنجد الطريق المرتفع.وقد اقتضت مشيئة اللّه أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء،وأن تخلقه بهذا الازدواج طبقا لحكمة اللّه في الخلق،وإعطاء كل شيء خلقه،وتيسيره لوظيفته في هذا الوجود.وهذه الآية تكشف عن حقيقة الطبيعة الإنسانية كما أنها تمثل قاعدة «النظرية النفسية الإسلامية» هي والآيات الأخرى في سورة الشمس: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها،فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها.قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» (وسنرجىء عرضها بشيء من التفصيل إلى الموضع الآخر في سورة الشمس لأنه أوسع مجالا) .
هذه الآلاء التي أفاضها اللّه على جنس الإنسان في خاصة نفسه،وفي صميم تكوينه،والتي من شأنها أن تعينه على الهدى:عيناه بما تريان في صفحات هذا الكون من دلائل القدرة وموحيات الإيمان وهي معروضة في صفحات الكون مبثوثة في حناياه.ولسانه وشفتاه وهما أداة البيان والتعبير وعنهما يملك الإنسان أن يفعل الشيء الكثير.والكلمة أحيانا تقوم مقام السيف والقذيفة وأكثر وأحيانا تهوي بصاحبها في النار كما ترفعه أو تخفضه.في هذه النار ..عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ،قَالَ:كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ،فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ،فَقُلْتُ:يَا نَبِيَّ اللهِ،أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ،وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ .قَالَ:لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ،وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ،تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا،وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ،وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ،وَتَصُومُ رَمَضَانَ،وَتَحُجُّ الْبَيْتَ،ثُمَّ قَالَ:أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ ؟:الصَّوْمُ جُنَّةٌ،وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ،وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَرَأَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} ،حَتَّى بَلَغَ: {يَعْمَلُونَ} ،ثُمَّ قَالَ:أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ فَقُلْتُ:بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ .قَالَ:رَأْسُ الأَمْرِ الإِِسْلاَمُ وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ،وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ:أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمِلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ:بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ .فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ،فَقَالَ:كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ:ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ،وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ،أَوْ قَالَ:عَلَى مَنَاخِرِهِمْ،إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ؟.رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه [1] .
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /350] (22016) 22366 والمسند الجامع [15 /284] (11487) صحيح لغيره