المألوف. «وَلَسَوْفَ يَرْضى » .إنه الرضى ينسكب في قلب هذا الأتقى.إنه الرضى يغمر روحه.إنه الرضى يفيض على جوارحه.إنه الرضى يشيع في كيانه.إنه الرضى يندي حياته ..
ويا له من جزاء! ويا لها من نعمة كبرى! «وَلَسَوْفَ يَرْضى » [1] ..يرضى بدينه.ويرضى بربه.ويرضى بقدره.ويرضى بنصيبه.ويرضى بما يجد من سراء وضراء.ومن غنى وفقر.ومن يسر وعسر.ومن رخاء وشدة.يرضى فلا يقلق ولا يضيق ولا يستعجل ولا يستثقل العبء،ولا يستبعد الغاية ..إن هذا الرضى جزاء - جزاء أكبر من كل جزاء - جزاء يستحقه من يبذل له نفسه وماله - من يعطي ليتزكى.ومن يبذل ابتغاء وجه ربه الأعلى.
إنه جزاء لا يمنحه إلا اللّه.وهو يسكبه في القلوب التي تخلص له،فلا ترى سواه أحدا.
«وَلَسَوْفَ يَرْضى » ..يرضى وقد بذل الثمن.وقد أعطى ما أعطى ..
إنها مفاجأة في موضعها هذا.ولكنها المفاجأة المرتقبة لمن يبلغ ما بلغه الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى،وما لأحد عنده من نعمة تجزى،إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى .. «وَلَسَوْفَ يَرْضى » ...
(1) - وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق،رضي الله عنه،حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك.ولا شك أنه داخل فيها،وأولى الأمة بعمومها،فإن لفظها لفظ العموم،وهو قوله تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى } ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقًا تقيًا كريما جوادًا بذالا لأمواله في طاعة مولاه،ونصرة رسول الله،فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم،ولم يكن لأحد من الناس عنده منّةٌ يحتاج إلى أن يكافئه بها،ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل؛ ولهذا قال له عروة بن مسعود -وهو سيد ثقيف،يوم صلح الحديبية-:أما والله لولا يد لك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك.وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة،فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل،فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال: { وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى } وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ ،فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ ،وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ،وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ،وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ ،فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟ قَالَ:نَعَمْ ،وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.صحيح البخارى- المكنز [7 /175] (1897 ) وصحيح مسلم- المكنز [6 /369] (2418) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [2 /5] (308) واللفظ له
الضرورة:الضرر أى لا يزاحم بعضهم بعضا وانظر تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /422]