فهرس الكتاب

الصفحة 4866 من 4997

وكان وراء هذا الكفر ما وراءه من الشر والانحطاط والشقاق والخراب الذي عم أرجاء الأرض ... «وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج،ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة،ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة،ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة،ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء » [1] .

ومن ثم اقتضت رحمة اللّه بالبشرية إرسال رسول من عنده يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة.وما كان الذين كفروا من المشركين ومن الذين أوتوا الكتاب ليتحولوا عن ذلك الشر والفساد إلا ببعثة هذا الرسول المنقذ الهادي المبين ...

ولما قرر هذه الحقيقة في مطلع السورة عاد يقرر أن أهل الكتاب خاصة لم يتفرقوا ويختلفوا في دينهم عن جهل أو عن غموض في الدين أو تعقيد.إنما هم تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ومن بعد ما جاءتهم البينة من دينهم على أيدي رسلهم: «وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ» ..

وكان أول التفرق والاختلاف ما وقع بين طوائف اليهود قبل بعثة عيسى - عليه السلام - فقد انقسموا شعبا وأحزابا.مع أن رسولهم هو موسى - عليه السلام - وكتابهم هو التوراة.فكانوا طوائف خمسة رئيسية هي طوائف الصدوقيين،والفريسيين،والآسيين،والغلاة،والسامريين ..ولكل طائفة سمة واتجاه.ثم كان التفرق بين اليهود والنصارى،مع أن المسيح - عليه السلام - هو أحد أنبياء بني إسرائيل وآخرهم،وقد جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة،ومع هذا فقد بلغ الخلاف والشقاق بين اليهود والمسيحيين حد العداء العنيف والحقد الذميم.وحفظ التاريخ من المجازر بين الفريقين ما تقشعر له الأبدان.

« وقد تجدد في أوائل القرن السابع من الحوادث ما بغضهم (أي اليهود) إلى المسيحيين وبغض المسيحيين إليهم،وشوه سمعتهم.ففي السنة الأخيرة من حكم فوكاس (610 م) أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية،فأرسل الأمبراطور قائده «ابنوسوس» ليقضي على ثورتهم،فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة،فقتل الناس جميعا قتلا بالسيف،وشنقا،وإغراقا،وإحراقا،وتعذيبا،ورميا للوحوش الكاسرة ...وكان ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة،قال المقريزي في كتاب الخطط:«وفي أيام (فوقا) ملك الروم،بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر فخربوا كنائس القدس،وفلسطين وعامة بلاد الشام،وقتلوا النصارى بأجمعهم،وأتوا إلى مصر في طلبهم،وقتلوا منهم أمة كبيرة،وسبوا منهم سبيا لا يدخل تحت حصر.وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم وأقبلوا نحو الفرس من طبرية،وجبل الجليل،وقرية الناصرة ومدينة صور،وبلاد القدس فنالوا من النصارى كل منال

(1) - عن كتاب:ماذا خسر العالم ... ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت