يتربصن بأنفسهن هذه الفترة كي يتبين براءة أرحامهن من آثار الزوجية السابقة قبل أن يصرن إلى زيجات جديدة: «وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ،إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» ..
لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق اللّه في أرحامهن من حمل أو من حيض ..ويلمس قلوبهن بذكر اللّه الذي يخلق ما في أرحامهن،ويستجيش كذلك شعور الإيمان باللّه واليوم الآخر.فشرط هذا الإيمان ألا يكتمن ما خلق اللّه في أرحامهن ..وذكر اليوم الآخر بصفة خاصة له وزنه هنا.فهناك الجزاء ..هناك العوض عما قد يفوت بالتربص،وهناك العقاب لو كتمن ما خلق اللّه في أرحامهن،وهو يعلمه لأنه هو الذي خلقه،فلا يخفى عليه شيء منه ..فلا يجوز كتمانه عليه - سبحانه - تحت تأثير أي رغبة أو هوى أو غرض من شتى الأغراض التي تعرض لنفوسهن.
هذا من جهة.ومن الجهة الأخرى،فإنه لا بد من فترة معقولة يختبر فيها الزوجان عواطفهما بعد الفرقة.
فقد يكون في قلوبهما رمق من ود يستعاد،وعواطف تستجاش،ومعان غلبت عليها نزوة أو غلطة أو كبرياء! فإذا سكن الغضب،وهدأت الشرة،واطمأنت النفس،استصغرت تلك الأسباب التي دفعت إلى الفراق،وبرزت معان أخرى واعتبار ات جديدة،وعاودها الحنين إلى استئناف الحياة،أو عاودها التجمل رعاية لواجب من الواجبات.والطلاق أبغض الحلال إلى اللّه،وهو عملية بتر لا يلجأ إليها إلا حين يخيب كل علاج .. (وفي مواضع أخرى من القرآن تذكر المحاولات التي ينبغي أن تسبق إيقاع الطلاق.كما أن إيقاعه الطلاق ينبغي أن يكون في فترة طهر لم يقع فيها وطء.وهذا من شأنه أن يوجد مهلة بين اعتزام الطلاق وإيقاعه في أغلب الحالات.إذ ينتظر الزوج حتى تجيء فترة الطهر ثم يوقع الطلاق ..إلى آخر تلك المحاولات) ..
والطلقة الأولى تجربة يعلم منها الزوجان حقيقة مشاعرهما.فإذا اتضح لهما في أثناء العدة أن استئناف الحياة مستطاع،فالطريق مفتوح: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا» ..
في ذلك ..أي في فترة الانتظار والتربص وهي فترة العدة ..إن أرادوا إصلاحا بهذا الرد ولم يكن القصد هو إعنات الزوجة،وإعادة تقييدها في حياة محفوفة بالأشواك،انتقاما منها،أو استكبارا واستنكافا أن تنكح زوجا آخر.
«وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» ..وللمطلقات من الحقوق في هذه الحالة مثل الذي عليهن من الواجبات،فهن مكلفات أن يتربصن وألا يكتمن ما خلق اللّه في أرحامهن،وأزواجهن مكلفون بأن تكون نيتهم في الرجعة طيبة لا ضرر فيها عليهن ولا ضرار.وذلك إلى ما سيأتي من أمر النفقة في مقابل الاحتباس للعدة.