فهرس الكتاب

الصفحة 4872 من 4997

الدنيا.فهذا أمر جديد لا عهد للإنسان به.أمر لا يعرف له سرا،ولا يذكر له نظيرا.أمر هائل يقع للمرة الأولى! «يَوْمَئِذٍ» ..يوم يقع هذا الزلازل،ويشده أمامه الإنسان «تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها» [1] ..يومئذ تحدث هذه الأرض أخبارها،وتصف حالها وما جرى لها ..لقد كان ما كان لها «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها» ..وأمرها أن تمور مورا،وأن تزلزل زلزالها،وأن تخرج أثقالها! فأطاعت أمر ربها «وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» ..تحدث أخبارها.فهذا الحال حديث واضح عما وراءه من أمر اللّه ووحيه إليها ..وهنا و «الْإِنْسانُ» مشدوه مأخوذ،والإيقاع يلهث فزعا ورعبا،ودهشة وعجبا،واضطرابا ومورا ..هنا و «الْإِنْسانُ» لا يكاد يلتقط أنفاسه وهو يتساءل:مالها مالها؟ هنا يواجه بمشهد الحشر والحساب والوزن والجزاء: «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ.فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ.وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» .

وفي لمحة نرى مشهد القيام من القبور: «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا» ..نرى مشهدهم شتيتا منبعثا من أرجاء الأرض «كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» ..وهو مشهد لا عهد للإنسان به كذلك من قبل.مشهد الخلائق في أجيالها جميعا تنبعث من هنا ومن هناك: «يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا» ..وحيثما امتد البصر رأى شبحا ينبعث ثم ينطلق مسرعا! لا يلوي على شيء،ولا ينظر وراءه ولا حواليه: «مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ» ممدودة رقابهم،شاخصة أبصارهم. «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» .

إنه مشهد لا تعبر عن صفته لغة البشر.هائل مروّع.مفزع.مرعب.مذهل ...كل أولئك وسائر ما في المعجم من أمثالها لا تبلغ من وصف هذا المشهد شيئا مما يبلغه إرسال الخيال قليلا يتملاه بقدر ما يملك وفي حدود ما يطيق! «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا» .. «لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ» ..وهذه أشد وأدهى ..إنهم ذاهبون إلى حيث تعرض عليهم أعمالهم،ليواجهوها،ويواجهوا جزاءها.ومواجهة الإنسان لعمله قد تكون أحيانا أقسى من كل جزاء.

وإن من عمله ما يهرب من مواجهته بينه وبين نفسه،ويشيح بوجهه عنه لبشاعته حين يتمثل له في نوبة من نوبات الندم ولذع الضمير.فكيف به وهو يواجه بعمله على رؤوس الأشهاد،في حضرة الجليل العظيم الجبار المتكبر؟!

(1) - الذي تخبر به الأرض:إما أعمال العباد على ظهرها ،كما جاء عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَذِهِ الآيَةَ (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا » .قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.قَالَ « فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ عَمِلَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا » .سنن الترمذى (3677 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.!!!.

أو أنها تخبر بما أخرجت من أثقالها ،كما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِذَا كَانَ أَجَلُ الْعَبْدِ بِأَرْضٍ أَوْثَبَتْهُ إِلَيْهَا حَاجَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ أَقْصَى أَثَرَهُ ،فَيُقْبَضَ ،فَتَقُولُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:هَذَا عَبْدُكَ مَا اسْتَوْدَعْتَنِي"السُّنَّةُ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ (318 ) صحيح

أو أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان:ما لها ؟ وهذا قول ابن مسعود ،فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى ،وأمر الآخرة قد أتى ،فيكون ذلك منها جوابا لهم عند سؤالهم ،ووعيدا للكافر ،وإنذارا للمؤمن. - تفسير القرطبي:20/ 148- 149

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت