فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 4997

مرحلة في الطريق.وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه مقدمة كله.إنما هو قسط من ذلك النصيب.وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك.فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع.على أن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هي رحلة في كون حي مأنوس،وعالم صديق ودود.كون ذي روح تتلقى وتستجيب،وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ» .. «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ،وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» ..أي راحة،وأي سعة وأي أنس،وأي ثقة يفيضها على القلب هذا التصور الشامل الكامل الفسيح الصحيح؟

وعشت - في ظلال القرآن - أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد ..إنه إنسان بنفخة من روح اللّه: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» ..وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض: «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ:إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» ..ومسخر له كل ما في الأرض: «وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» ..

ولأن الإنسان بهذا القدر من الكرامة والسمو جعل اللّه الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة من النفخة الإلهية الكريمة.جعلها آصرة العقيدة في اللّه ..فعقيدة المؤمن هي وطنه.

وهي قومه،وهي أهله ..ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها،لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج! ..

والمؤمن ذو نسب عريق،وضارب في شعاب الزمان.إنه واحد من ذلك الموكب الكريم،الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم:نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق،ويعقوب ويوسف،وموسى وعيسى،ومحمد ..عليهم الصلاة والسلام .. «وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ» ..

هذا الموكب الكريم،الممتد في شعاب الزمان من قديم،يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة،وأزمات متشابهة،وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور،وتغير المكان،وتعدد الأقوام.يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى،والاضطهاد والبغي،والتهديد والتشريد.ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو،مطمئن الضمير،واثقا من نصر اللّه،متعلقا بالرجاء فيه،متوقعا في كل لحظة وعد اللّه الصادق الأكيد: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا.فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ،وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ.ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ» ..موقف واحد وتجربة واحدة.وتهديد واحد.ويقين واحد.ووعد واحد للموكب الكريم ..وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف.وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد ..

وفي ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء،ولا للفلتة العارضة:

«إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» .. «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا» ..وكل أمر لحكمة.ولكن حكمة الغيب العميقة قد لا تتكشف للنظرة الإنسانية القصيرة:«فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت