فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 4997

في حياة البشر،فلا يجوز أن يزاوله إنسان فيدعي لنفسه مقام الألوهية وهو واحد من العبيد! هذه هي قاعدة النظام الرباني الذي جاء به الإسلام.وعلى هذه القاعدة يقوم نظام أخلاقي نظيف تكفل فيه الحرية لكل إنسان،حتى لمن لا يعتنق عقيدة الإسلام،وتصان فيه حرمات كل أحد حتى الذين لا يعتنقون الإسلام،وتحفظ فيه حقوق كل مواطن في الوطن الإسلامي أيا كانت عقيدته.ولا يكره فيه أحد على اعتناق عقيدة الإسلام،ولا إكراه فيه على الدين إنما هو البلاغ.

جاهد الإسلام ليقيم هذا النظام الرفيع في الأرض ويقرره ويحميه.وكان من حقه أن يجاهد ليحطم النظم الباغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر،والتي يدعي فيها العبيد مقام الألوهية ويزاولون فيها وظيفة الألوهية - بغير حق - ولم يكن بد أن تقاومه تلك النظم الباغية في الأرض كلها وتناصبه العداء.ولم يكن بد كذلك أن يسحقها الإسلام سحقا ليعلن نظامه الرفيع في الأرض ..ثم يدع الناس في ظله أحرارا في عقائدهم الخاصة.لا يلزمهم إلا بالطاعة لشرائعه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والدولية.أما عقيدة القلب فهم فيها أحرار.

وأما أحوالهم الشخصية فهم فيها أحرار،يزاولونها وفق عقائدهم والإسلام يقوم عليهم يحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة ويكفل لهم حقوقهم،ويصون لهم حرماتهم،في حدود ذلك النظام.

وما يزال هذا الجهاد لإقامة هذا النظام الرفيع مفروضا على المسلمين: «حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» ..فلا تكون هناك ألوهة للعبيد في الأرض،ولا دينونة لغير اللّه [1] ..

لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اعتناقه عقيدة ولم ينتشر بالسيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه! إنما جاهد ليقيم نظاما آمنا يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعا،ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته.

وكانت قوة الإسلام ضرورية لوجوده وانتشاره واطمئنان أهله على عقيدتهم،واطمئنان من يريدون اعتناقه على أنفسهم.وإقامة هذا النظام الصالح وحمايته.ولم يكن الجهاد أداة قليلة الأهمية،ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله كما يريد أخبث أعدائه أن يوحوا للمسلمين! ..

لا بد للإسلام من نظام ولا بد للإسلام من قوة،ولا بد للإسلام من جهاد.فهذه طبيعته التي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود.

«لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» ..نعم ولكن: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ» ..

وهذا هو قوام الأمر في نظر الإسلام ..وهكذا ينبغي أن يعرف المسلمون حقيقة دينهم،وحقيقة تاريخهم فلا يقفوا بدينهم موقف المتهم الذي يحاول الدفاع إنما يقفون به دائما موقف المطمئن الواثق

(1) - لزيادة الإيضاح في شأن الجهاد يراجع كتاب «الجهاد» للمسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي وكتاب: «السلام العالمي في الإسلام» للمؤلف. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت