فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 4997

الْمُلْكَ؟ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ:رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.قالَ:أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ! قالَ إِبْراهِيمُ:فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ.فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..

إن هذا الملك الذي حاج إبراهيم في ربه لم يكن منكرا لوجود اللّه أصلا إنما كان منكرا لوحدانيته في الألوهية والربوبية ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده،كما كان بعض المنحرفين في الجاهلية يعترفون بوجود اللّه ولكنهم يجعلون له أندادا ينسبون إليها فاعلية وعملا في حياتهم! وكذلك كان منكرا أن الحاكمية للّه وحده،فلا حكم إلا حكمه في شؤون الأرض وشريعة المجتمع.

إن هذا الملك المنكر المتعنت إنما ينكر ويتعنت للسبب الذي كان ينبغي من أجله أن يؤمن ويشكر.هذا السبب هو «أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ» ..وجعل في يده السلطان!

لقد كان ينبغي أن يشكر ويعترف،لولا أن الملك يطغي ويبطر من لا يقدرون نعمة اللّه،ولا يدركون مصدر الإنعام.ومن ثم يضعون الكفر في موضع الشكر ويضلون بالسبب الذي كان ينبغي أن يكونوا به مهتدين! فهم حاكمون لأن اللّه حكمهم،وهو لم يخولهم استعباد الناس بقسرهم على شرائع من عندهم.فهم كالناس عبيد للّه،يتلقون مثلهم الشريعة من اللّه،ولا يستقلون دونه بحكم ولا تشريع فهم خلفاء لا أصلاء! ومن ثم يعجب اللّه من أمره وهو يعرضه على نبيه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ؟» ..ألم تر؟ إنه تعبير التشنيع والتفظيع وإن الإنكار والاستنكار لينطلقان من بنائه اللفظي وبنائه المعنوي سواء.

فالفعلة منكرة حقا:أن يأتي الحجاج والجدال بسبب النعمة والعطاء! وأن يدعي عبد لنفسه ما هو من اختصاص الرب،وأن يستقل حاكم بحكم الناس بهواه دون أن يستمد قانونه من اللّه.

«قالَ إِبْراهِيمُ:رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ..والإحياء والإماتة هما الظاهرتان المكرورتان في كل لحظة،المعروضتان لحس الإنسان وعقله.وهما - في الوقت نفسه - السر الذي يحير،والذي يلجىء الإدراك البشري إلجاء إلى مصدر آخر غير بشري.وإلى أمر آخر غير أمر المخاليق.ولا بد من الالتجاء إلى الألوهية القادرة على الإنشاء والإفناء لحل هذا اللغز الذي يعجز عنه كل الأحياء.

إننا لا نعرف شيئا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة.ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات.ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق ..قوة اللّه ..

ومن ثم عرّف إبراهيم - عليه السلام - ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد،ولا يمكن أن يزعمها أحد.وقال وهذا الملك يسأله عمن يدين له بالربوبية ويراه مصدر الحكم والتشريع غيره ..قال: «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» فهو من ثم الذي يحكم ويشرع.

وما كان إبراهيم - عليه السلام - وهو رسول موهوب تلك الموهبة اللدنية التي أشرنا إليها في مطلع هذا الجزء - ليعني من الإحياء والإماتة إلا إنشاء هاتين الحقيقتين إنشاء.فذلك عمل الرب المتفرد الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت