«قالَ:كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ:لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ!» ..وما يدريه كم لبث والإحساس بالزمن لا يكون إلا مع الحياة والوعي؟ على أن الحس الإنساني ليس هو المقياس الدقيق للحقيقة فهو يخدع ويضل فيرى الزمن الطويل المديد قصيرا لملابسة طارئة كما يرى اللحظة الصغيرة دهرا طويلا لملابسة طارئة كذلك! «قالَ:بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ» ..
وتبعا لطبيعة التجربة،وكونها تجربة حسية واقعية،نتصور أنه لا بد كانت هنالك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام ..هذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعام الرجل ولا شرابه،فلم يكونا آسنين متعفنين: «فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ» ..وإذن فلا بد أن هذه الآثار المحسوسة كانت متمثلة في شخصه أو في حماره: «وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ - وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ - وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا» ..أية عظام؟ عظامه هو؟ لو كان الأمر كذلك - كما يقول بعض المفسرين إن عظامه هي التي تعرت من اللحم - للفت هذا نظره عند ما استيقظ،ووخز حسه كذلك،ولما كانت إجابته: «لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ» .
لذلك نرجح أن الحمار هو الذي تعرت عظامه وتفسخت.ثم كانت الآية هي ضم هذه العظام بعضها إلى بعض وكسوتها باللحم وردها إلى الحياة،على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى،ولم يصب طعامه ولا شرابه التعفن.ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد،معرضون لمؤثرات جوية وبيئية واحدة،آية أخرى على القدرة التي لا يعجزها شيء،والتي تتصرف مطلقة من كل قيد وليدرك الرجل كيف يحيي هذه اللّه بعد موتها! أما كيف وقعت الخارقة؟ فكما تقع كل خارقة!
كما وقعت خارقة الحياة الأولى.الخارقة التي ننسى كثيرا أنها وقعت،وأننا لا ندري كيف وقعت! ولا ندري كذلك كيف جاءت إلا أنها جاءت من عند اللّه بالطريق التي أرادها اللّه ..وهذا «دارون» أكبر علماء الحياة يظل ينزل في نظريته بالحياة درجة درجة،ويتعمق أغوارها قاعا قاعا،حتى يردها إلى الخلية الأولى ..ثم يقف بها هناك.إنه يجهل مصدر الحياة في هذه الخلية الأولى.ولكنه لا يريد أن يسلم بما ينبغي أن يسلم به الإدراك البشري،والذي يلح على المنطق الفطري إلحاحا شديدا.وهو أنه لا بد من واهب وهب الحياة لهذه الخلية الأولى.لا يريد أن يسلم لأسباب ليست علمية وإنما هي تاريخية في صراعه مع الكنيسة! فإذا به يقول: «إن تفسير شؤن الحياة بوجود خالق يكون بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت!» ..
أي وضع ميكانيكي! إن الميكانيكية هي أبعد شيء عن هذا الأمر الذي يفرض على الإدراك فرضا أن يبحث عن مصدر لهذا السر القائم تجاه الأبصار والبصائر!
وإنه - هو نفسه - ليجفل من ضغط المنطق الفطري،الذي يلجىء الإدراك البشري إلجاء إلى الاعتراف بما وراء الخلية الأولى،فيرجع كل شيء إلى «السبب الأول» ! ولا يقول:ما هو هذا السبب الأول؟ ما هو هذا السبب الذي يملك إيجاد الحياة أول مرة،ثم يملك - حسب نظريته هو وهي محل