فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 4997

بَعْضُهُمْ،فَيُدْخِلُ قِنْوَ الْحَشَفِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ جَائِزٌ عَنْهُ فِي كَثْرَةِ مَا يُوضَعُ مِنَ الْأَقْنَاءِ،فَنَزَلَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ:وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ الْقِنْوَ الَّذِي قَدْ حَشَفَ،وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيْكُمْ مَا قَبِلْتُمُوهُ" [1] "

ورواه ابن أبي حاتم عَنِ الْبَرَاءِ:وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قَالَ:نَزَلَتْ فِينَا،كُنَّا أَصْحَابَ نَخْلٍ،فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ،يُقَدِّرُ كَثْرَتَهُ وَقِلَّتَهُ،فَيَأْتِي الرَّجُلَ أَحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ،جَاءَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ،فَسَقَطَ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ،وَكَانَ النَّاسُ مِمَّنْ لَا يَرْغَبُونَ فِي الْخَيْرِ،يَأْتِي بِالْقِنْوِ الْحَشَفِ وَالشَّيصِ [2] ،وَيَأْتِي بِالْقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ،فَنَزَلَتْ:وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قَالَ:لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أُهْدِيَ لَهُ مِثْلَ مَا أَعْطَى،مَا أَخَذَهُ إِلَّا عَلَى إِغْمَاضٍ وَحَيَاءٍ،فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ،يَجِيءُ الرَّجُلُ بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ" [3] ."

والروايتان قريبتان.وكلتاهما تشير إلى حالة واقعة في المدينة وترينا صفحة تقابل الصفحة الأخرى التي خطها الأنصار في تاريخ البذل السمح والعطاء الفياض.وترينا أن الجماعة الواحدة تكون فيها النماذج العجيبة السامقة،والنماذج الأخرى التي تحتاج إلى تربية وتهذيب وتوجيه لتتجه إلى الكمال! كما احتاج بعض الأنصار إلى النهي عن القصد إلى الرديء من أموالهم،الذي لا يقبلونه عادة في هدية إلا حياء من رده ولا في صفقة إلا بإغماض فيه أي:نقص في القيمة! بينما كانوا يقدمونه هم للّه! ومن ثم جاء هذا التعقيب: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» ..

غني عن عطاء الناس إطلاقا.فإذا بذلوه فإنما يبذلونه لأنفسهم فليبذلوه طيبا،وليبذلوه طيبة به نفوسهم كذلك.حميد ..يتقبل الطيبات ويحمدها ويجزي عليها بالحسنى ..

ولكل صفة من الصفتين في هذا الموضع إيحاء يهز القلوب.كما هز قلوب ذلك الفريق من الأنصار فعلا.

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ..» ..وإلا فاللّه غني عن الخبيث الذي تقصدون إليه فتخرجون منه صدقاتكم! بينما هو - سبحانه - يحمد لكم الطيب حين تجرجونه ويجزيكم عليه جزاء الراضي الشاكر.

وهو اللّه الرازق الوهاب ..يجزيكم عليه جزاء الحمد وهو الذي أعطاكم إياه من قبل! أي إيحاء! وأي إغراء! وأي تربية للقلوب بهذا الأسلوب العجيب!

ولما كان الكف عن الإنفاق،أو التقدم بالرديء الخبيث،إنما ينشأ عن دوافع السوء،وعن تزعزع اليقين فيما عند اللّه،وعن الخوف من الإملاق الذي لا يساور نفسا تتصل باللّه،وتعتمد عليه،وتدرك أن مرد

(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (5596 ) حسن

جذاذ النخل:قطع ثماره.- حيطانها:أي بساتينها.- البسر:التمر إذا لون ولم ينضج.-الأسطوانتين:العمودين.-الحشف:أردأ التمر.

(2) - الشيص:تمر رديء. ( السيد رحمه الله )

(3) - تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (2845 ) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت