فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 4997

هذه الإصابة،ويعود منها الباطل ذا صولة وجولة! هناك دائما الشبهة الكاذبة،أو الأمنية العاتبة:لماذا يا رب؟ لماذا يصاب الحق وينجو الباطل؟ لماذا يبتلى أهل الحق وينجو أهل الباطل؟ ولما ذا لا ينتصر الحق كلما التقى مع الباطل،ويعود بالغلبة والغنيمة؟ أليس هو الحق الذي ينبغي أن ينتصر؟ وفيم تكون للباطل هذه الصولة؟ وفيم يعود الباطل من صدامه مع الحق بهذه النتيجة،وفيها فتنة للقلوب وهزة؟! ولقد وقع بالفعل أن قال المسلمون يوم أحد في دهشة واستغراب: «أَنَّى هذا؟!» ..ففي هذا المقطع الختامي يجيء الجواب الأخير،والبيان الأخير. ويريح اللّه القلوب المتعبة،ويجلو كل خاطرة تتدسس إلى القلوب من هذه الناحية،ويبين سنته وقدره وتدبيره في الأمر كله:أمس واليوم وغدا وحيثما التقى الحق والباطل في معركة فانتهت بمثل هذه النهاية:إن ذهاب الباطل ناجيا في معركة من المعارك. وبقاءه منتفشا فترة من الزمان،ليس معناه أن اللّه تاركه،أو أنه من القوة بحيث لا يغلب،أو بحيث يضر الحق ضررا باقيا قاضيا ..وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك،وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان،ليس معناه أن اللّه مجافيه أو ناسيه! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه ..كلا. إنما هي حكمة وتدبير .. هنا وهناك .. يملى للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق وليرتكب أبشع الآثام،وليحمل أثقل الأوزار،ولينال أشد العذاب باستحقاق! .. ويبتلى الحق،ليميز الخبيث من الطيب،ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت .. فهو الكسب للحق والخسار للباطل،مضاعفا هذا وذاك! [1]

وقال مبينا لماذا يبطئ النصر أحيانًا:"قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها،ولم يتم بعد تمامها،ولم تحشد بعد طاقاتها،ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات.فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا!"

وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة،وآخر ما تملكه من رصيد،فلا تستبقي عزيزا ولا غاليا،لا تبذله هينا رخيصا في سبيل اللّه.

وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها،فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من اللّه لا تكفل النصر.إنما يتنزل النصر من عند اللّه عند ما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى اللّه.

وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها باللّه،وهي تعاني وتتألم وتبذل ولا تجد لها سندا إلا اللّه،ولا متوجها إلا إليه وحده في الضراء.وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عند ما يتأذن به اللّه.فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به اللّه.

وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها للّه ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه،أو تقاتل حمية لذاتها،أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها.واللّه يريد أن يكون الجهاد له

(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /522]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت