فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 4997

.. «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» .. «الْعَزِيزُ» ..ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير «الْحَكِيمُ» ..الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك.

وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده.فاللّه هو الذي صور عيسى .. « كَيْفَ يَشاءُ» ..لا أن عيسى هو الرب.أو هو اللّه.أو هو الابن.أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي.إلى آخر ما انتهت إليه التصورات المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك!

بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ،الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة،ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل،ليصوغوا حولها الشبهات ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم للّه في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ.مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ،وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ.وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ:آمَنَّا بِهِ.كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا - وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ - رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا،وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً.إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ،إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ» ..

وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ألست تقول عن المسيح:إنه كلمة اللّه وروحه؟ يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى - عليه السلام - وأنه ليس من البشر،إنما هو روح اللّه - على ما يفهمون هم من هذا التعبير - بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية اللّه المطلقة،وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور ..فنزلت فيهم هذه الآية،تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة،وترك النصوص التجريدية القاطعة.

على أن نص الآية أعم من هذه المناسبة فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله اللّه على نبيه - صلى الله عليه وسلم - متضمنا حقائق التصور الإيماني،ومنهاج الحياة الإسلامية ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة،ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها.

فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة،مدركة المقاصد - وهي أصل هذا الكتاب - وأما السمعيات والغيبيات - ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده - فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر «الحق» ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها،لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود.

وهنا يختلف الناس - حسب استقامة فطرتهم أو زيغها - في استقبال هذه الآيات وتلك.فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة،فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت