فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 4997

فالآن - وإلى نهاية هذا الدرس - نجدنا أمام حقيقة أخرى ..هي مقتضى الحقيقة الأولى ..فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية،هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس.

ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها ..يبدأ بشهادة اللّه - سبحانه - «وأنه لا إله إلا هو» وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة.ويقرر معها صفة اللّه المتعلقة بالقوامة،وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون.

وما دام اللّه متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة،هو الإقرار بالعبودية للّه وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله واستسلام العبيد لإلههم،وطاعتهم للقيوم عليهم،واتباعهم لكتابه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - .

ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» ..فهو لا يقبل دينا سواه من أحد ..الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع ..وإذن فليس الدين الذي يقبله اللّه من الناس هو مجرد تصور في العقل ولا مجرد تصديق في القلب.إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور ..هو تحكيم منهج اللّه في أمر العباد كله،وطاعتهم لما يحكم به،واتباعهم لرسوله في منهجه.

وهكذا ..يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم ..إذ يدّعون أنهم على دين اللّه.ثم «يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ» !!!

مما ينقض دعوى التدين من الأساس.فلا دين يقبله اللّه إلا الإسلام.ولا إسلام بغير استسلام للّه وطاعة لرسوله،واتباع لمنهجه،وتحكيم لكتابه في أمور الحياة ..

ويكشف عن علة هذا الإعراض - الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين اللّه - فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية «القسط» في الجزاء يوم الحساب: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا:لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ» ..معتمدين على أنهم أهل كتاب «وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..وهو غرور خادع.فما هم بأهل كتاب،وما هم بمؤمنين أصلا.وما هم على دين اللّه إطلاقا وهم يدعون إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم،ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون.

وبهذا الجزم القاطع يقرر اللّه سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين ..فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة ..الدين:الإسلام.والإسلام:التحاكم إلى كتاب اللّه وطاعته واتباعه ..فمن لم يفعل فليس له دين،وليس مسلما وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين اللّه.فدين اللّه يحدده ويقرره ويفسره اللّه،وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر ..كل يحدده أو يعرّفه كما يشاء! لا.بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء - والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب اللّه - «فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيء » ..ولا علاقة له باللّه في شيء ولا صلة بينه وبين اللّه في شيء ..مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب اللّه.ولو ادعوا أنهم على دين اللّه! ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت