الكون كله وأمر البشر ..وفي الوقت ذاته تمهد للتحذير الوارد في الفقرة التالية من تولي المؤمنين الكافرين من دون المؤمنين.
ما دام أن لا حول للكافرين في هذا الكون ولا طول.والأمر كله بيد اللّه.وهو ولي المؤمنين دون سواه: «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ - إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً - وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.قُلْ:إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ،وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ،وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا،وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا.وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» ..
لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله للّه،والقوة كلها للّه،والتدبير كله للّه،والرزق كله بيد اللّه ..فما ولاء المؤمن إذن لأعداء اللّه؟ إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان باللّه وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون ..ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد،وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو والى من لا يرتضي أن يحكم كتاب اللّه في الحياة،سواء كانت الموالاة بمودة القلب،أو بنصره،أو باستنصاره سواء:
« لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيء » ..
هكذا ..ليس من اللّه في شيء.لا في صلة ولا نسبة،ولا دين ولا عقيدة،ولا رابطة ولا ولاية ..فهو بعيد عن اللّه،منقطع الصلة تماما في كل شيء تكون فيه الصلات.
ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات ..ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل.قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - «ليس التقاة بالعمل إنما التقاة باللسان» ..فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر - والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب اللّه في الحياة على الإطلاق،كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية.فما يجوز هذا الخداع على اللّه! ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكا للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب،فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة اللّه وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقا: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» ..
ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب،وإشعارها أن عين اللّه عليها،وأن علم اللّه يتابعها: «قُلْ:إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ،وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..وهو إمعان في التحذير والتهديد،واستجاشة الخشية واتقاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة،فلا ملجأ منها ولا نصرة!