وهنا - وقد وضحت القضية وظهر الحق جليا - يوجه اللّه تعالى رسوله الكريم إلى أن ينهي الجدل والمناظرة حول هذه القضية الواضحة وحول هذا الحق البين وأن يدعوهم إلى المباهلة كما هي مبينة في الآية التالية: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ - مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ - فَقُلْ:تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ،وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ.ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» [1] ..
وقد دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كانوا يناظرونه في هذه القضية إلى هذا الاجتماع الحاشد،ليبتهل الجميع إلى اللّه أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين.فخافوا العاقبة وأبوا المباهلة.وتبين الحق واضحا.ولكنهم فيما ورد من الروايات لم يسلموا احتفاظا بمكانتهم من قومهم،وبما كان يتمتع به رجال الكنيسة من سلطان وجاه ومصالح ونعيم!!!
وما كانت البينة هي التي يحتاج إليها من يصدون عن هذا الدين إنما هي المصالح والمطامع والهوى يصد الناس عن الحق الواضح الذي لا خفاء فيه.
ثم يمضي التعقيب بعد الدعوة إلى المباهلة - وربما كانت الآيات التالية قد نزلت بعد الامتناع عنها - يقرر حقيقة الوحي،وحقيقة القصص،وحقيقة الوحدانية التي يدور حولها الحديث ويهدد من يتولى عن الحق ويفسد في الأرض بهذا التولي: « إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ.وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ.وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ» .
والحقائق التي تقررها هذه النصوص سبق تقريرها.وهي تذكر هنا للتوكيد بعد الدعوة إلى المباهلة وإبائها ..إنما الجديد هو وصف الذين يتولون عن الحق بأنهم مفسدون،وتهديدهم بأن اللّه عليم بالمفسدين ..والفساد الذي يتولاه المعرضون عن حقيقة التوحيد فساد عظيم.وما ينشأ في الأرض الفساد - في الواقع - إلا من الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة.لا اعتراف اللسان.فاعتراف اللسان لا قيمة له.ولا اعتراف القلب السلبي.فهذا الاعتراف لا ينشئ آثاره الواقعية في حياة الناس ..إنما هي الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة بكل آثارها التي تلازمها في واقع الحياة البشرية ..وأول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية،فتتوحد العبودية ..لا عبودية إلا للّه.ولا طاعة إلا للّه.ولا تلقي إلا عن اللّه.فليس إلا للّه تكون العبودية.
(1) - عَنِ الْحَسَنِ ،"فِي قَوْلِهِ:"تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ"قَرَأَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيْهِمَا وَدَعَاهُمَا إِلَى الْمُبَاهَلَةِ وَأَخَذَ بِيَدِ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:اصْعَدِ الْجَبَلَ وَلا تُبَاهِلُهُ فَإِنَّكَ إِنْ بَاهَلْتَهُ بُؤْتَ بِاللَّعْنِ، قَالَ:فَمَا تَرَى ؟ قَالَ:أَرَى أَنْ نُعْطِيَهُ الْخَرَاجَ وَلا نُبَاهِلُهُ".قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ، نحو ذلك.تفسير ابن أبي حاتم [3 /25] (3667) صحيح مرسل
وعَنِ السُّدِّيِّ:""فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ"فَأَخَذَ بِيَدِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَفَاطِمَةَ،وَقَالَ لِعَلِيٍّ:اتْبَعْنَا، فَخَرَجَ مَعَهُمْ وَلَمْ يَخْرُجْ يَوْمَئِذٍ النَّصَارَى،قَالُوا:إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ النَّبِيُّ وَلَيْسَ دَعْوَةُ الأَنْبِيَاءِ كَغَيرِهِمْ فَتَخَلَّفُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:لَوْ خَرَجُوا لاحْتَرَقُوا، فَصَالَحُوهُ عَلَى صُلْحٍ عَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِمْ ثَمَانِينَ أَلْفًا".تفسير ابن أبي حاتم [3 /25] (3668) صحيح مرسل