لقد أخذ اللّه - سبحانه - موثقا رهيبا جليلا كان هو شاهده وأشهد عليه رسله.موثقا على كل رسول.أنه مهما آتاه من كتاب وحكمة،ثم جاء رسول بعده مصدقا لما معه،أن يؤمن به وينصره،ويتبع دينه.وجعل هذا عهدا بينه وبين كل رسول.
والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل ويجمعهم كلهم في مشهد.واللّه الجليل الكبير يخاطبهم جملة:هل أقروا هذا الميثاق وأخذوا عليه عهد اللّه الثقيل: «قالَ:أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؟» ..وهم يجيبون: «قالُوا أَقْرَرْنا» ..فيشهد الجليل على هذا الميثاق ويشهدهم عليه:
«قالَ:فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» :هذا المشهد الهائل الجليل،يرسمه التعبير،فيجف له القلب ويجب وهو يتمثل المشهد بحضرة البارئ الجليل،والرسل مجتمعين ..
وفي ظل هذا المشهد يبدو الموكب الكريم متصلا متساندا مستسلما للتوجيه العلوي،ممثلا للحقيقة الواحدة التي شاء اللّه - سبحانه - أن تقوم عليها الحياة البشرية،ولا تنحرف،ولا تتعدد،ولا تتعارض،ولا تتصادم ..إنما ينتدب لها المختار من عباد اللّه ثم يسلمها إلى المختار بعده،ويسلم نفسه معها لأخيه اللاحق به.فما للنبي في نفسه من شيء وما له في هذه المهمة من أرب شخصي،ولا مجد ذاتي.إنما هو عبد مصطفى،ومبلغ مختار.واللّه - سبحانه - هو الذي ينقل خطى هذه الدعوة بين أجيال البشر ويقود هذا الموكب ويصرفه كيف يشاء.
ويخلص دين اللّه - بهذا العهد وبهذا التصور - من العصبية الذاتية.عصبية الرسول لشخصه.وعصبيته لقومه.وعصبية أتباعه لنحلتهم.وعصبيتهم لأنفسهم.وعصبيتهم لقوميتهم ..ويخلص الأمر كله للّه في هذا الدين الواحد،الذي تتابع به وتوالى ذلك الموكب السني الكريم.
وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخلفون من أهل الكتاب عن الإيمان بالرسول الأخير - صلى الله عليه وسلم - ومناصرته وتأييده،تمسكا بدياناتهم - لا بحقيقتها فحقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته،ولكن باسمها تعصبا لأنفسهم في صورة التعصب لها! - مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الديانات قد قطعوا على أنفسهم عهدا ثقيلا غليظا مع ربهم في مشهد مرهوب جليل ..في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذين يتخلفون فسقة عن تعليم أنبيائهم.فسقة عن عهد اللّه معهم.فسقة كذلك عن نظام الكون كله المستسلم لبارئه،الخاضع لناموسه،المدبر بأمره ومشيئته: «فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ،وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ؟» ..
إنه لا يتولى عن اتباع هذا الرسول إلا فاسق.ولا يتولى عن دين اللّه إلا شاذ.شاذ في هذا الوجود الكبير.ناشز في وسط الكون الطائع المستسلم المستجيب.