فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 4997

الطائفة ذات الشوكة،إنما خرجوا لرحلة هينة.لمقابلة القافلة العزلاء وأخذ الطريق عليها فلم يكن معهم - على قلة العدد - إلا القليل من العدة.وكان وراءهم في المدينة مشركون لا تزال لهم قوتهم،ومنافقون لهم مكانتهم،ويهود يتربصون بهم ..وكانوا هم بعد ذلك كله قلة مسلمة في وسط خضم من الكفر والشرك في الجزيرة.ولم تكن قد زالت عنهم بعد صفة أنهم مهاجرون مطاردون من مكة،وأنصار آووا هؤلاء المهاجرين ولكنهم ما يزالون نبتة غير مستقرة في هذه البيئة! فبهذا كله يذكرهم اللّه - سبحانه - ويرد ذلك النصر إلى سببه الأولى في وسط هذه الظروف: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ.وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ..

إن اللّه هو الذي نصرهم ونصرهم لحكمة نص عليها في مجموعة هذه الآيات.وهم لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم.فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا اللّه،الذي يملك النصر والهزيمة والذي يملك القوة وحده والسلطان.فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر وأن تجعله شكرا وافيا لائقا بنعمة اللّه عليهم على كل حال.

هذه هي اللمسة الأولى في تذكيرهم بالنصر في بدر ..ثم يستحضر مشهدها ويستحيي صورتها في حسنهم،كأنهم اللحظة فيها: « إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ:أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ؟ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» ..

وكانت هذه كلمات رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر،للقلة المسلمة التي خرجت معه والتي رأت نفير المشركين،وهي خرجت لتلقى طائفة العير الموقرة بالمتاجر،لا لتلقى طائفة النفير الموقرة بالسلاح! وقد أبلغهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما بلغه يومها ربه،لتثبيت قلوبهم وأقدامهم،وهم بشر يحتاجون إلى العون في صورة قريبة من مشاعرهم وتصوراتهم ومألوفاتهم ..وأبلغهم كذلك شرط هذا المدد ..إنه الصبر والتقوى الصبر على تلقي صدمة الهجوم،والتقوى التي تربط القلب باللّه في النصر والهزيمة: «بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» [1] ..

فالآن يعلمهم اللّه أن مرد الأمر كله إليه،وأن الفاعلية كلها منه - سبحانه - وأن نزول الملائكة ليس إلا بشرى لقلوبهم لتأنس بهذا وتستبشر،وتطمئن به وتثبت.أما النصر فمنه مباشرة،ومتعلق بقدره وإرادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ،وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ،وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» ..

(1) - فورهم هذا:أي من جهتهم هذه - مسومين:أي معلمين لهم علامة تميزهم. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت