قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ.وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ.وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا،وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ،وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ.أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ؟ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ،فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ».
لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة،وأصابهم القتل والهزيمة.أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير.قتل منهم سبعون صحابيا،وكسرت رباعية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشج وجهه،وأرهقه المشركون،وأثخن أصحابه بالجراح ..وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس،وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر،حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: «أَنَّى هذا؟» وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون؟! والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن اللّه في الأرض.يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور.فهم ليسوا بدعا في الحياة فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف،والأمور لا تمضي جزافا،إنما هي تتبع هذه النواميس،فإذا هم درسوها،وأدركوا مغازيها،تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث،وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع،واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث،وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام.واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق.ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين،لينالوا النصر والتمكين بدون الأخذ بأسباب النصر،وفي أولها طاعة اللّه وطاعة الرسول.
والسنن التي يشير إليها السياق هنا،ويوجه أبصارهم إليها هي:عاقبة المكذبين على مدار التاريخ.ومداولة الأيام بين الناس.والابتلاء لتمحيص السرائر،وامتحان قوة الصبر على الشدائد،واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين.
وفي خلال استعراض تلك السنن تحفل الآيات بالتشجيع على الاحتمال،والمواساة في الشدة،والتأسية على القرح،الذي لم يصبهم وحدهم،إنما أصاب أعدائهم كذلك،وهم أعلى من أعدائهم عقيدة وهدفا،وأهدى منهم طريقا ومنهجا،والعاقبة بعد لهم،والدائرة على الكافرين.
« قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ،فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ،فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» ..
إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها،وحاضرها بماضيها،فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها.
وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم،ولم تكن معارفهم،ولم تكن تجاربهم - قبل الإسلام - لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة.لولا هذا الإسلام - وكتابه القرآن - الذي أنشأهم به اللّه نشأة أخرى،وخلق به منهم أمة تقود الدنيا ..
إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله،ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة وما جريات حياتهم فضلا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها،فضلا على الربط بين الأحداث