فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 4997

«إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ.وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ .وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» ..

إن الشدة بعد الرخاء،والرخاء بعد الشدة،هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس،وطبائع القلوب،ودرجة الغبش فيها والصفاء،ودرجة الهلع فيها والصبر،ودرجة الثقة فيها باللّه أو القنوط،ودرجة الاستسلام فيها لقدر اللّه أو البرم به والجموح! عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن:مؤمنين ومنافقين،ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم،وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم.ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده،وهم مختلطون مبهمون! واللّه سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين.واللّه سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور.ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء،وتجعله واقعا في حياة الناس،وتحول الإيمان إلى عمل ظاهر،وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر،ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء.فاللّه سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم.

ومداولة الأيام،وتعاقب الشدة والرخاء،محك لا يخطئ،وميزان لا يظلم.والرخاء في هذا كالشدة.

وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك،ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل.والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء،وتتجه إلى اللّه في الحالين،وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن اللّه.

وقد كان اللّه يربي هذه الجماعة - وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية - فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء،والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب - وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن اللّه الجارية في النصر والهزيمة.لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة.ولتزيد طاعة للّه،وتوكلا عليه،والتصاقا بركنه.ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين.

ويمضي السياق يكشف للأمة المسلمة عن جوانب من حكمة اللّه فيما وقع من أحداث المعركة،وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس،وفيما بعد تمييز الصفوف،وعلم اللّه للمؤمنين: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» ..

وهو تعبير عجيب عن معنى عميق - إن الشهداء لمختارون.يختارهم اللّه من بين المجاهدين،ويتخذهم لنفسه - سبحانه - فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل اللّه من يستشهد.إنما هو اختيار وانتقاء،وتكريم واختصاص ..إن هؤلاء هم الذين اختصهم اللّه ورزقهم الشهادة،ليستخلصهم لنفسه - سبحانه - ويخصهم بقربه.

ثم هم شهداء يتخذهم اللّه،ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس.يستشهدهم فيؤدون الشهادة.يؤدونها أداء لا شبهة فيه،ولا مطعن عليه،ولا جدال حوله.يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق،وتقريره في دنيا الناس.يطلب اللّه - سبحانه - منهم أداء هذه الشهادة،على أن ما جاءهم من عنده الحق،وعلى أنهم آمنوا به،وتجردوا له،وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت