فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 4997

ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث،في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى،ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين،وستارا لقدرته في هلاك المكذبين: «وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ» ..

والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز.التمحيص عملية تتم في داخل النفس،وفي مكنون الضمير ..إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية،وتسليط الضوء على هذه المكنونات.تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب،وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق،بلا غبش ولا ضباب ..

وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه،ومخابئها ودروبها ومنحنياتها.وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها،وحقيقة ما استكن فيها من رواسب،لا تظهر إلا بمثير! وفي هذا التمحيص الذي يتولاه اللّه - سبحانه - بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء،يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير:محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية.

ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص ..ثم إذا هو يكشف - على ضوء التجربة العملية،وفي مواجهة الأحداث الواقعية - أن في نفسه عقابيل لم تمحص.وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوي من الضغوط! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه،ليعاود المحاولة في سبكها من جديد،على مستوى الضغوط التي تقضيها طبيعة هذه الدعوة،وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة! واللّه - سبحانه - كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية،وكان يريد بها أمرا في هذه الأرض.فمحصها هذا التمحيص،الذي تكشفت عنه الأحداث في أحد،لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها،وليتحقق على يديها قدر اللّه الذي ناطه بها: «وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ» ..تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلن الحق،وخلص من الشوائب بالتمحيص

وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصورات المسلمين عن سنة اللّه في الدعوات،وفي النصر والهزيمة،وفي العمل والجزاء.ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره،وزاده الصبر على مشاق الطريق،وليس زاده التمني والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ،وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ.فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» ..

إن صيغة السؤال الاستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور:تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان:أسلمت وأنا على استعداد للموت.فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان،وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان! إنما هي التجربة الواقعية،والامتحان العملي.وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء،ثم الصبر على تكاليف الجهاد،وعلى معاناة البلاء.

وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى: «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» .. «وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت