«وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ» ..الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان،فيرتفعون عن مدارج الحيوان ويشكرون اللّه على تلك النعمة،فينهضون بتبعات الإيمان ..
وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة،وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء،وفق ما يريدونه لأنفسهم،من اهتمام قريب كاهتمام الدود،أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان! وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف - وهي لا تملك شيئا في شأن الموت والحياة - إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس،في الحقل الذي تملكه،وتملك فيه الاختيار.فتختار الدنيا أو تختار الآخرة.وتنال من جزاء اللّه ما تختار!
ثم يضرب اللّه للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم.من موكب الإيمان اللاحب الممتد على طول الطريق،الضارب في جذور الزمان ..من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم،وقاتلوا مع أنبيائهم،فلم يجزعوا عند الابتلاء وتأدبوا - وهم مقدمون على الموت - بالأدب الإيماني في هذا المقام ..مقام الجهاد ..فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم وأن يجسموا أخطاءهم فيروها «إِسْرافًا» في أمرهم.وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار ..وبذلك نالوا ثواب الدارين،جزاء إحسانهم في أدب الدعاء،وإحسانهم في موقف الجهاد.وكانوا مثلا يضربه اللّه للمسلمين: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ،فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا.وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا:رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا،وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ.وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»
لقد كانت الهزيمة في «أحد» ،هي أول هزيمة تصدم المسلمين،الذين نصرهم اللّه ببدر وهم ضعاف قليل فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية.فلما أن صدمتهم أحد،فوجئوا بالابتلاء كأنهم لا ينتظرونه! ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم.واستطرد السياق يأخذ المسلمين بالتأسية تارة،وبالاستنكار تارة،وبالتقرير تارة،وبالمثل تارة،تربية لنفوسهم،وتصحيحا لتصورهم،وإعدادا لهم.
فالطريق أمامهم طويل،والتجارب أمامهم شاقة،والتكاليف عليهم باهظة،والأمر الذي يندبون له عظيم.
والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام،لا يحدد فيه نبيا،ولا يحدد فيه قوما.إنما يربطهم بموكب الإيمان ويعلمهم أدب المؤمنين ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة وفي كل دين ويربطهم بأسلافهم من أتباع الأنبياء ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين ويقر في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد.
وأنهم كتيبة في الجيش الإيماني الكبير: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ.فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا» ....وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة.فما ضعفت