فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 4997

والمكانة؟ وما هذه الفواصل التي يقيمها الناس في تصوراتهم بين الشهيد الحي ومن خلفه من إخوانه؟ والتي يقيمونها بين عالم الحياة وعالم ما بعد الحياة؟ ولا فواصل ولا حواجز بالقياس إلى المؤمنين،الذين يتعاملون هنا وهناك مع اللّه ..؟

إن جلاء هذه الحقيقة الكبيرة ذو قيمة ضخمة في تصور الأمور.إنها تعدّل - بل تنشئ إنشاء - تصور المسلم للحركة الكونية التي تتنوع معها صور الحياة وأوضاعها،وهي موصولة لا تنقطع فليس الموت خاتمة المطاف بل ليس حاجزا بين ما قبله وما بعده على الإطلاق! إنها نظرة جديدة لهذا الأمر،ذات آثار ضخمة في مشاعر المؤمنين،واستقبالهم للحياة والموت،وتصورهم لما هنا وما هناك.

«وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» ..والآية نص في النهي عن حسبان أن الذين قتلوا في سبيل اللّه،وفارقوا هذه الحياة،وبعدوا عن أعين الناس ..أموات ..ونص كذلك في إثبات أنهم «أَحْياءٌ» .. «عِنْدَ رَبِّهِمْ» .ثم يلي هذا النهي وهذا الإثبات،وصف ما لهم من خصائص الحياة.فهم «يُرْزَقُونَ» ..

ومع أننا نحن - في هذه الفانية - لا نعرف نوع الحياة التي يحياها الشهداء،إلا ما يبلغنا من وصفها في الأحاديث الصحاح ..إلا أن هذا النص الصادق من العليم الخبير كفيل وحده بأن يغير مفاهيمنا للموت والحياة،وما بينهما من انفصال والتئام.وكفيل وحده بأن يعلمنا أن الأمور في حقيقتها ليست كما هي في ظواهرها التي ندركها وأننا حين ننشئ مفاهيمنا للحقائق المطلقة بالاستناد إلى الظواهر التي ندركها.لا ننتهي إلى إدراك حقيقي لها وأنه أولى لنا أن ننتظر البيان في شأنها ممن يملك البيان سبحانه وتعالى.

فهؤلاء ناس منا،يقتلون،وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها،ويفارقون الحياة كما تبدو لنا من ظاهرها.ولكن لأنهم: «قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وتجردوا له من كل الأعراض والأعراض الجزئية الصغيرة واتصلت أرواحهم باللّه،فجادوا بأرواحهم في سبيله ..لأنهم قتلوا كذلك،فإن اللّه - سبحانه - يخبرنا في الخبر الصادق،أنهم ليسوا أمواتا.وينهانا أن نحسبهم كذلك،ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده،وأنهم يرزقون.فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء.

ويخبرنا كذلك بما لهم من خصائص الحياة الأخرى: «فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ..

فهم يستقبلون رزق اللّه بالفرح لأنهم يدركون أنه «مِنْ فَضْلِهِ» عليهم.فهو دليل رضاه وهم قد قتلوا في سبيل اللّه.فأي شيء يفرحهم إذن أكثر من رزقه الذي يتمثل فيه رضاه؟

ثم هم مشغولون بمن وراءهم من إخوانهم وهم مستبشرون لهم لما علموه من رضى اللّه عن المؤمنين المجاهدين: « وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ،وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت