بَقِيّتَهُمْ فَمَرّ الرّكْبُ بِرَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ فَأَخْبَرُوهُ بِاَلّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:حَدّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب ٍ لَمّا انْصَرَفَ يَوْمَ أُحُدٍ،أَرَادَ الرّجُوعَ إلَى الْمَدِينَةِ،لِيَسْتَأْصِلَ بَقِيّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ:لَا تَفْعَلُوا،فَإِنّ الْقَوْمَ قَدْ حَرِبُوا،وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قِتَالٌ غَيْرُ الّذِي كَانَ فَارْجِعُوا،فَرَجَعُوا .فَقَالَ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ حِينَ بَلَغَهُ أَنّهُمْ هَمّوا بِالرّجْعَةِ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سُوّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ لَوْ صُبّحُوا بِهَا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذّاهِبِ". [1] "
وهكذا تتضافر مثل هذه الصور الرفيعة على إعلان ميلاد تلك الحقيقة الكبيرة،في تلك النفوس الكبيرة.
النفوس التي لا تعرف إلا اللّه وكيلا،وترضى به وحده وتكتفي،وتزداد إيمانا به في ساعة الشدة،وتقول في مواجهة تخويف الناس لهم بالناس: «حَسْبُنَا اللَّهُ،وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ..
ثم تكون العاقبة كما هو المنتظر من وعد اللّه للمتوكلين عليه،المكتفين به،المتجردين له: «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ» .فأصابوا النجاة - لم يمسسهم سوء - ونالوا رضوان اللّه.وعادوا بالنجاة والرضى. «بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ» ..
فهنا يردهم إلى السبب الأولى في العطاء:نعمة اللّه وفضله على من يشاء.ومع التنويه بموقفهم الرائع،فإنه يرد الأمر إلى نعمة اللّه وفضله،لأن هذا هو الأصل الكبير،الذي يرجع إليه كل فضل،وما موقفهم ذاك إلا طرف من هذا الفضل الجزيل! «وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ» ..
بهذا يسجل اللّه لهم في كتابه الخالد،وفي كلامه الذي تتجاوب به جوانب الكون كله،صورتهم هذه،وموقفهم هذا،وهي صورة رفيعة،وهو موقف كريم.
وينظر الإنسان في هذه الصورة وفي هذا الموقف،فيحس كأن كيان الجماعة كله قد تبدل ما بين يوم وليلة.نضجت.وتناسقت.واطمأنت إلى الأرض التي تقف عليها.وانجلى الغبش عن تصورها.وأخذت الأمر جدا كله.وخلصت من تلك الأرجحة والقلقلة،التي حدثت بالأمس فقط في التصورات والصفوف.فما كانت سوى ليلة واحدة هي التي تفرق بين موقف الجماعة اليوم وموقفها بالأمس ..والفارق هائل والمسافة بعيدة ..
لقد فعلت التجربة المريرة فعلها في النفوس وقد هزتها الحادثة هزا عنيفا.أطار الغبش،وأيقظ القلوب،وثبت الأقدام،وملأ النفوس بالعزم والتصميم ..نعم.وكان فضل اللّه عظيما في الابتلاء المرير ..
(1) - سيرة ابن هشام [2 /101] وهو معضل