فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 4997

وهي لا تحتاج للاطلاع على الغيب.ولو فتح الجهاز الإنساني على الغيب لتحطم.لأنه ليس معدا لاستقباله إلا بالمقدار الذي يصل روحه بخالقه،ويصل كيانه بكيان هذا الكون.وأبسط ما يقع له حين يعلم مصائره كلها،ألا يحرك يدا ولا رجلا في عمارة الأرض،أو أن يظل قلقا مشغولا بهذه المصائر،بحيث لا تبقى فيه بقية لعمارة الأرض! من أجل ذلك لم يكن من شأن اللّه سبحانه،ولا من مقتضى حكمته،ولا من مجرى سنته أن يطلع الناس على الغيب.

إذن كيف يميز اللّه الخبيث من الطيب؟ وكيف يحقق شأنه وسنته في تطهير الصف المسلم،وتجريده من الغبش،وتمحيصه من النفاق،وإعداده للدور الكوني العظيم،الذي أخرج الأمة المسلمة لتنهض به؟

«وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ» ..وعن طريق الرسالة،وعن طريق الإيمان بها أو الكفر،وعن طريق جهاد الرسل في تحقيق مقتضى الرسالة،وعن طريق الابتلاء لأصحابهم في طريق الجهاد ..عن طريق هذا كله يتم شأن اللّه،وتتحقق سنته،ويميز اللّه الخبيث من الطيب،ويمحص القلوب،ويطهر النفوس ..ويكون من قدر اللّه ما يكون ..

وهكذا يرفع الستار عن جانب من حكمة اللّه،وهي تتحقق في الحياة وهكذا تستقر هذه الحقيقة على أرض صلبة مكشوفة منيرة ..

وأمام مشهد الحقيقة متجلية بسيطة مريحة،يتجه إلى الذين آمنوا ليحققوا في ذواتهم مدلول الإيمان ومقتضاه،ويلوح لهم بفضل اللّه العظيم،الذي ينتظر المؤمنين.

«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» ..

فيكون هذا التوجيه وهذا الترغيب،بعد ذلك البيان وذلك الاطمئنان،خير خاتمة لاستعراض الأحداث في «أحد» والتعقيب على هذه الأحداث ..

دروس وعبر من غزوة أحد

وبعد ..فقد تمخضت المعركة والتعقيب القرآني عليها عن حقائق ضخمة منوعة،يصعب إحصاؤها ثم إيفاؤها حقها من البسط والعرض في هذا السياق من الظلال.فنكتفي بالإشارة إلى أشملها وأبرزها،ليقاس عليه سائر ما في الغزوة كما عرضها القرآن الكريم من مواضع للعبرة والاستدلال:

1 -لقد تمخضت المعركة والتعقيب عليها عن حقيقة أساسية كبيرة في طبيعة هذا الدين الذي هو المنهج الإلهي للحياة البشرية،وفي طريقته في العمل في حياة البشر.وهي حقيقة أولية بسيطة،ولكنها كثيرا ما تنسى،أو لا تدرك ابتداء،فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين:في حقيقته وفي واقعه التاريخي في حياة الإنسانية،وفي دوره أمس واليوم وغدا ..

إن بعضنا ينتظر من هذا الدين - ما دام هو المنهج الإلهي للحياة البشرية - أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة! دون اعتبار لطبيعة البشر،ولطاقتهم الفطرية،ولواقعهم المادي،في أية مرحلة من مراحل نموهم،وفي أية بيئة من بيئاتهم! وحين يرون أنه لا يعمل بهذه الطريقة،وإنما هو يعمل في حدود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت