فهرس الكتاب

الصفحة 837 من 4997

بقدر ما تبذل من الجهد وبقدر ما تتخذ من الأساليب العملية وبقدر ما توفق في اختيار هذه الأساليب ..

وقبل كل شيء،وقبل كل جهد،وقبل كل وسيلة ..هنالك عنصر آخر:هو مدى تجرد هذه المجموعة لهذا الغرض.ومدى تمثيلها لحقيقة هذا المنهج في ذات نفسها ومدى ارتباطها باللّه صاحب هذا المنهج،وثقتها به،وتوكلها عليه.

هذه هي حقيقة هذا الدين وطريقته،وهذه هي خطته الحركية ووسيلته ..

وهذه هي الحقيقة التي شاء اللّه أن يعلمها للجماعة المسلمة،وهو يربيها بأحداث معركة أحد وبالتعقيب على هذه الأحداث ..

حينما قصرت في تمثيل حقيقة هذا الدين في ذات نفسها في بعض مواقف المعركة.وحينما قصرت في اتخاذ الوسائل العملية في بعض مواقفها.وحينما غفلت عن تلك الحقيقة الأولية أو نسيتها وفهمت أنه من مقتضى كونها مسلمة أن تنتصر حتما بغض النظر عن تصورها وتصرفها - حينئذ تركها اللّه تلاقي الهزيمة وتعاني آلامها المريرة.ثم جاء التعقيب القرآني يردها إلى تلك الحقيقة: «أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ:أَنَّى هذا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ.إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..

ولكنه - كما قلنا في سياق الاستعراض للنصوص - لا يترك المسلمين عند هذه النقطة،بل يصلهم بقدر اللّه من وراء الأسباب والنتائج ويكشف لهم عن إرادة الخير بهم من وراء الابتلاء ،الذي وقع بأسبابه الظاهرة من تصرفاتهم الواقعة ..

إن ترك المنهج الإلهي يعمل ويتحقق عن طريق الجهد البشري،ويتأثر بتصرف البشر إزاءه ..هو خير في عمومه،فهو يصلح الحياة البشرية ولا يفسدها أو يعطلها ويصلح الفطرة البشرية ويوقظها ويردها إلى سوائها ..

ذلك أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان.مجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان ومجاهدتهم باليد لدفعهم من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية ..وحتى يتعرض في هذه المجاهدة للابتلاء والصبر على الجهد،والصبر على الأذى،والصبر على الهزيمة،والصبر على النصر أيضا - فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة - وحتى يتمحص القلب،ويتميز الصف،وتستقيم الجماعة على الطريق،وتمضي فيه راشدة صاعدة،متوكلة على اللّه.

حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان.لأنه يجاهد نفسه أولا في أثناء مجاهدته للناس وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدا،وهو قاعد آمن سالم وتتبين له حقائق في الناس،وفي الحياة،لم تكن لتتبين له أبدا بغير هذه الوسيلة ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته،وبعاداته وطباعه،وبانفعالاته واستجاباته،ما لم يكن ليبلغه أبدا،بدون هذه التجربة الشاقة المريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت