فهرس الكتاب
وليدة معجزة خارقة لا تتكرر.فهي ليست وليدة خارقة عابرة.إنما هي وليدة المنهج الإلهي،الذي يتحقق بالجهد البشري،في حدود الطاقة البشرية - والطاقة البشرية كما نرى قابلة للكثير! هذا المنهج يبدأ بكل جماعة من النقطة التي هي فيها،ومن الواقع المادي الذي هي فيه.ثم يمضي بها صعدا كما بدأ بتلك الجماعة من الجاهلية العربية الساذجة ..من السفح ..ثم انتهى بها في فترة وجيزة لم تبلغ ربع قرن من الزمان،إلى ذلك الأوج السامق ..
شرط واحد لا بد أن يتحقق ..أن تسلم الجماعات البشرية قيادها لهذا المنهج.أن تؤمن به.وأن تستسلم له.وأن تتخذه قاعدة حياتها،وشعار حركتها،وحادي خطاها في الطريق الشاق الطويل ..
3 -وحقيقة ثالثة تمخضت عنها المعركة والتعقيب عليها ..حقيقة الارتباط الوثيق في منهج اللّه بين واقع النفس المسلمة والجماعة المسلمة،وبين كل معركة تخوضها مع أعدائها في أي ميدان.الارتباط بين العقيدة والتصور والخلق والسلوك والتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي ..وبين النصر أو الهزيمة في كل معركة ..فكل هذه عوامل أساسية فيما يصيبها من نصر أو هزيمة.
والمنهج الإلهي - من ثم - يعمل في مساحة هائلة في النفس الإنسانية وفي الحياة البشرية.مساحة متداخلة الساحات والنقط والخطوط والخيوط،متكاملة في الوقت ذاته وشاملة.والخطة يصيبها الخلل والفشل حين يختل الترابط والتناسق بين هذه الساجات كلها والنقط والخطوط والخيوط ..وهذه ميزة ذلك المنهج الكلي الشامل،الذي يأخذ الحياة جملة،ولا يأخذها مزقا وتفاريق.والذي يتناول النفس والحياة من أقطارها جميعا،ويلم خيوطها المتشابكة المتباعدة،في قبضته،فيحركها كلها حركة واحدة متناسقة،لا تصيب النفس بالفصام،ولا تصيب الحياة بالتمزق والانقسام.
ومن نماذج هذا التجميع،وهذه الارتباطات المتداخلة الكثيرة حديثه - في التعقيب القرآني - عن الخطيئة،وأثرها في النصر والهزيمة.فهو يقرر أن الهزيمة كانت موصولة بالشيطان الذي استغل ضعف الذين تولوا بسبب مما كسبوا: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا» ..كما يقرر أن الذين قاتلوا مع الأنبياء ووفوا - وهم النموذج الذي يطلب إلى المؤمنين الاقتداء به - بدأوا المعركة بالاستغفار من الذنوب: « وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ،فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا - وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا:رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا،وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا،وَثَبِّتْ أَقْدامَنا،وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ.وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ..وفي توجيهاته للجماعة المسلمة يسبق نهيه لها عن الوهن والحزن في المعركة،توجيهها للتطهر والاستغفار:«وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ،وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ،الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ،وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ،وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ،وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ،وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ،ذَكَرُوا