وتكثر فيه الغارات على الأموال والأرواح.ويقل فيه العدل فلا يناله إلا الأقوياء.كما لا تنفق فيه الأموال إلا رئاء الناس،اجتلابا للمفاخر،ولا ينال الضعاف المحاويج فيه من هذا الإنفاق ما ينال الأقوياء الأغنياء! وليست هذه سوى بعض ملامح الجاهلية - وهي التي تصدت لها هذه السورة - ووراءها ما صورته السور الأخرى،وما تحفل به أخبار هذه الجاهلية في العرب،وفيمن حولهم من الأمم» [1] ..
إنه لم يكن - قطعا - مجتمعا بلا فضائل.فقد كانت له فضائله،التي تهيأ بها لاستقبال هذه الرسالة الكبرى.
ولكن هذه الفضائل إنما استنقذها الإسلام استنقاذا،ووجهها الوجهة البناءة.وكانت - لولا الإسلام - مضيعة تحت ركام هذه الرذائل،مفرقة غير متجمعة،وضائعة غير موجهة.وما كانت هذه الأمة لتقدم للبشرية شيئا ذا قيمة،لولا هذا المنهج،الذي جعل يمحو ملامح الجاهلية الشائهة،وينشئ أو يثبت ملامح الإسلام الوضيئة،ويستنقذ فضائل هذه الأمة المضيعة المطمورة المفرقة المبددة،شأنها في هذا شأن سائر أمم الجاهلية التي عاصرتها،والتي اندثرت كلها،لأنها لم تدركها رسالة ولم تنشئها عقيدة! من تلك الجاهلية،التي هذه بعض ملامحها،التقط الإسلام المجموعة التي قسم اللّه لها الخير،وقدّر أن يسلمها قيادة البشر،فكون منها الجماعة المسلمة،وأنشأ بها المجتمع المسلم.ذلك المجتمع الذي بلغ إلى القمة التي لم تبلغها البشرية قط،والتي ما تزال أملا للبشرية،يمكن أن تحاوله،حين يصح منها العزم على انتهاج الطريق.
وفي هذه السورة نجد بعض الملامح التي يتوخى المنهج الإسلامي إنشاءها وتثبيتها في المجتمع المسلم،بعد تطهيره من رواسب الجاهلية،وإنشاء الأوضاع والتشريعات التنفيذية،التي تكفل حماية هذه الملامح وتثبيتها في الواقع الاجتماعي .
نجد في مستهلها تقريرا لحقيقة الربوبية ووحدانيتها،ولحقيقة الإنسانية ووحدة أصلها الذي أنشأها منه ربها،ولحقيقة قيامها على قاعدة الأسرة،واتصالها بوشيجة الرحم،مع استجاشة هذه الروابط كلها في الضمير البشري،واتخاذها ركيزة لتنظيم المجتمع الإسلامي على أساسها،وحماية الضعفاء فيه عن طريق التكافل بين الأسرة الواحدة،ذات الخالق الواحد،وحماية هذا المجتمع من الفاحشة والظلم والفتنة وتنظيم الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم،والمجتمع الإنساني كله،على أساس وحدة الربوبية ووحدة البشرية: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ،وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها،وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً،وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ.إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا» ..وهذه الحقيقة الكبيرة التي تتضمنها آية الافتتاح تمثل قاعدة أصيلة في التصور الإسلامي،تقوم عليها الحياة الجماعية.نرجو أن نعرض لها بالتفصيل في مكانها من سياق السورة.
(1) - يراجع ما سبق تفصيله من ملامح الجاهلية العربية في هذا الجزء عند تفسير قوله تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ...» ص 508 ( السيد رحمه الله )