فهرس الكتاب

الصفحة 893 من 4997

من النفس الأولى فطرة وطبعا،خلقها اللّه لتكون لها زوجا،وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء،فلا فارق في الأصل والفطرة،إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة ..

ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلا.جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها.فترة من الزمان.تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له.فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى،وأطلقت للمرأة العنان،ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان،ونفس خلقت لنفس،وشطر مكمل لشطر،وأنهما ليسا فردين متماثلين،إنما هما زوجان متكاملان.

والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد ..

4 -كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة.فقد شاء اللّه أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة.فخلق ابتداء نفسا واحدة،وخلق منها زوجها.فكانت أسرة من زوجين. «وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً» ..ولو شاء اللّه لخلق - في أول النشأة - رجالا كثيرا ونساء،وزوجهم،فكانوا أسرا شتى من أول الطريق.لا رحم بينها من مبدأ الأمر.ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد.

وهي الوشيجة الأولى.ولكنه - سبحانه - شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها،أن يضاعف الوشائج.فيبدأ بها من وشيجة الربوبية - وهي أصل وأول الوشائج - ثم يثني بوشيجة الرحم،فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى - هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة وفطرة واحدة - ومن هذه الأسرة الأولى بيت رجالا كثيرا ونساء،كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الربوبية،ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة.التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني.بعد قيامه على أساس العقيدة.

ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإسلامي،وهذه العناية بتوثيق عراها،وتثبيت بنيانها،وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء - وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة،وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض،وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى.

وفي هذه السورة وفي غيرها من السور حشد من مظاهر تلك العناية بالأسرة في النظام الإسلامي ..وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي،والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة،وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية - كل جاهلية - ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة ورفع هذه النظرة الهابطة [1] .

5 -وأخيرا فإن نظرة إلى التنوع في خصائص الأفراد واستعدادتهم - بعد بثهم من نفس واحدة وأسرة واحدة - على هذا المدى الواسع،الذي لا يتماثل فيه فردان قط تمام التماثل،على توالي

(1) - يراجع بتوسع فصل «سلام البيت» في كتاب «السلام العالمي والإسلام» .. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت