والحال الثالث:هو اجتماع الأبوين مع الإخوة - سواء كانوا من الأبوين أو من الأب،أو من الأم - فإنهم لا يرثون مع الأب شيئا،لأنه مقدم عليهم وهو أقرب عاصب بعد الولد الذكر ولكنهم - مع هذا - يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس.فيفرض لها معهم السدس فقط.ويأخذ الأب ما تبقى من التركة.إن لم يكن هناك زوج أو زوجة.أما الأخ الواحد فلا يحجب الأم عن الثلث،فيفرض لها الثلث معه،كما لو لم يكن هناك ولد ولا إخوة.ولكن هذه الأنصبة كلها إنما تجيء بعد استيفاء الوصية أو الدين: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ» ..
قال ابن كثير في التفسير: « أجمع العلماء سلفًا وخلفًا:أن الدَّيْن مقدم على الوصية،وذلك عند إمعان النظر يفهم من فَحْوَى الآية الكريمة.» [1] ..وتقديم الدين مفهوم واضح.لأنه يتعلق بحق الآخرين.فلا بد من استيفائه من مال المورث الذي استدان،ما دام قد ترك مالا،توفية بحق الدائن،وتبرئة لذمة المدين.وقد شدد الإسلام في إبراء الذمة من الدين كي تقوم الحياة على أساس من تحرج الضمير،ومن الثقة في المعاملة،ومن الطمأنينة في جو الجماعة،فجعل الدين في عنق المدين لا تبرأ منه ذمته،حتى بعد وفاته:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ،عَنْ أَبِيهِ،أَنَّهُ قَالَ:جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:نَعَمْ،فَلَمَّا أَدْبَرَ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:كَيْفَ قُلْتَ ؟ فَأَعَادَ قَوْلَهُ،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:نَعَمْ،إِلاَّ الدِّينَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. [2] .
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ،عَنْ أَبِيهِ،أَنَّ رَجُلًا أُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ،فَقَالَ:صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ:أَنَا أَكْفُلُ بِهِ قَالَ:بِالْوَفَاءِ ؟ قَالَ:بِالْوَفَاءِ،فَصَلَّى عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَكَانَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ - أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا -. [3]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ مَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ. [4]
وأما الوصية فلأن إرادة الميت تعلقت بها.وقد جعلت الوصية لتلافي بعض الحالات التي يحجب فيها بعض الورثة بعضا.وقد يكون المحجوبون معوزين أو تكون هناك مصلحة عائلية في توثيق العلاقات بينهم وبين الورثة وإزالة أسباب الحسد والحقد والنزاع قبل أن تنبت.ولا وصية لوارث.ولا وصية في غير الثلث.
وفي هذا ضمان ألا يجحف المورث بالورثة في الوصية.
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [2 /228]
(2) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [10 /511] (4654) صحيح
(3) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [7 /331] (3060) صحيح
(4) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [7 /331] (3061) صحيح - زيادة مني