نستعجل بيان هذا الأمر - على وجه الإجمال - بمناسبة هاتين الآيتين الخطيرتين،في هذا التعقيب على آيتي المواريث:
إن الأمر في هذا الدين - الإسلام - بل في دين اللّه كله منذ أن أرسل رسله للناس منذ فجر التاريخ ..إن الأمر في دين اللّه كله هو:لمن الألوهية في هذه الأرض؟ ولمن الربوبية على هؤلاء الناس؟
وعلى الإجابة عن هذا السؤال في صيغتيه هاتين،يترتب كل شيء في أمر هذا الدين.وكل شيء في أمر الناس أجمعين! لمن الألوهية؟ ولمن الربوبية؟
للّه وحده - بلا شريك من خلقه - فهو الإيمان إذن،وهو الإسلام،وهو الدين.لشركاء من خلقه معه،أو لشركاء من خلقه دونه،فهو الشرك إذن أو الكفر المبين.
فأما إن تكن الألوهية والربوبية للّه وحده،فهي الدينونة من العباد للّه وحده.وهي العبودية من الناس للّه وحده.وهي الطاعة من البشر للّه وحده،وهي الاتباع لمنهج اللّه وحده بلا شريك ..فاللّه وحده هو الذي يختار للناس منهج حياتهم.واللّه وحده هو الذي يسن للناس شرائعهم.واللّه وحده هو الذي يضع للناس موازينهم وقيمهم وأوضاع حياتهم وأنظمة مجتمعاتهم ..وليس لغيره - أفرادا أو جماعات - شيء من هذا الحق إلا بالارتكان إلى شريعة اللّه.لأن هذا الحق هو مقتضى الألوهية والربوبية.ومظهرها البارز المحدد لخصائصها المميزة.
وأما إن تكن الألوهية أو الربوبية لأحد من خلق اللّه - شركة مع اللّه أو أصالة من دونه! - فهي الدينونة من العباد لغير اللّه.وهي العبودية من الناس لغير اللّه.وهي الطاعة من البشر لغير اللّه.وذلك بالاتباع للمناهج والأنظمة والشرائع والقيم والموازين،التي يضعها ناس من البشر،لا يستندون في وضعها إلى كتاب اللّه وسلطانه إنما يستندون إلى أسناد أخرى،يستمدون منها السلطان ..ومن ثم فلا دين،ولا إيمان،ولا إسلام.
إنما هو الشرك والكفر والفسوق والعصيان ..هذا هو الأمر في جملته وفي حقيقته ..ومن ثم يستوي أن يكون الخروج على حدود اللّه في أمر واحد،أو في الشريعة كلها ..لأن الأمر الواحد هو الدين - على ذلك المعنى - والشريعة كلها هي الدين ..فالعبرة بالقاعدة التي تستند إليها أوضاع الناس ..أهي إخلاص الألوهية والربوبية للّه - بكل خصائصها - أو إشراك أحد من خلقه معه.أو استقلال خلقه دونه بالألوهية والربوبية بعضهم على بعض.مهما ادعوا لأنفسهم من الدخول في الدين! ومهما رددت ألسنتهم - دون واقعهم - أنهم مسلمون! هذه هي الحقيقة الكبيرة،التي يشير إليها هذا التعقيب،الذي يربط بين توزيع أنصبة من التركة على الورثة،وبين طاعة اللّه ورسوله،أو معصية اللّه ورسوله.وبين جنة تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونار خالدة وعذاب مهين! وهذه هي الحقيقة الكبيرة،التي تتكئ عليها نصوص كثيرة،في هذه السورة،وتعرضها عرضا صريحا حاسما،لا يقبل المماحكة،ولا يقبل التأويل.