ولا بد - قبل الدخول في تفسير هذه النصوص القرآنية،وبيان أهدافها النفسية والاجتماعية - من بيان مجمل لنظرة الإسلام إلى مؤسسة الأسرة،ومنهجه في بنائها والمحافظة عليها،وأهدافه منها ..بيان مجمل بقدر الإمكان،إذ أن التفصيل فيه يحتاج إلى بحث مطول خاص [1] :
إن الذي خلق هذا الإنسان جعل من فطرته «الزوجية» شأنه شأن كل شيء خلقه في هذا الوجود: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ..
ثم شاء أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ،وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» ..
وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة - بعد ذلك - فيما أراد،أن يكون هذا اللقاء سكنا للنفس،وهدوءا للعصب،وطمأنينة للروح،وراحة للجسد ..ثم سترا وإحصانا وصيانة ..ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة،مع ترقيها المستمر،في رعاية المحضن الساكن الهادئ المطمئن المستور المصون: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» ..
«هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» ..
«نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ،وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ،وَاتَّقُوا اللَّهَ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ» ..
« وَالَّذِينَ آمَنُوا،وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ،أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ،وَما أَلَتْناهُمْ [2] مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيء »
ومن تساوي شطري النفس الواحدة في موقفهما من اللّه،ومن تكريمه للإنسان،كان ذلك التكريم للمرأة،وتلك المساواة في حقوق الأجر والثواب عند اللّه،وفي حقوق التملك والإرث،وفي استقلال الشخصية المدنية ..التي تحدثنا عنها في الصفحات السابقة من هذا الدرس.
ومن أهمية التقاء شطري النفس الواحدة،لإنشاء مؤسسة الأسرة.ومن ضخامة تبعة هذه المؤسسة أولا:
في توفير السكن والطمأنينة والستر والإحصان للنفس بشطريها،وثانيا:في إمداد المجتمع الإنساني بعوامل الامتداد والترقي ...كانت تلك التنظيمات الدقيقة المحكمة التي تتناول كل جزئية من شئون هذه المؤسسة ..وقد احتوت هذه السورة جانبا من هذه التنظيمات هو الذي استعرضناه في الصفحات السابقة من أول هذا الجزء تكملة لما استعرضناه منها في الجزء الرابع ..واحتوت سورة البقرة جانبا آخر،هو الذي استعرضناه في الجزء الثاني.واحتوت سور أخرى من القرآن،وعلى الأخص سورة النور في الجزء الثامن عشر وسورة الأحزاب في الجزءين الحادي والعشرين والثاني والعشرين وسورة الطلاق وسورة التحريم في الجزء الثامن والعشرين ..ومواضع أخرى متفرقة في السور،جوانب
(1) - يراجع كتاب الحجاب وكتاب تفسير سورة النور للأستاذ أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان ( السيد رحمه الله )
(2) - نقصناهم. ( السيد رحمه الله )