الذين لم يبتغوا وجه اللّه ..هؤلاء هم نكاد نراهم من خلال التعبير! واقفين في الساحة وقد انتدب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للشهادة! هؤلاء هم بكل ما أضمروا وأظهروا.بكل ما كفروا وما أنكروا.بكل ما اختالوا وما افتخروا.بكل ما بخلوا وبخلوا.بكل ما راءوا وتظاهروا ..هؤلاء هم في حضرة الخالق الذي كفروا به،الرازق الذي كتموا فضله وبخلوا بالإنفاق مما أعطاهم.في اليوم الآخر الذي لم يؤمنوا به.في مواجهة الرسول الذي عصوه ..فكيف؟؟؟
إنها المهانة والخزي،والخجل والندامة ..مع الاعتراف حيث لا جدوى من الإنكار ..
والسياق القرآني لا يصف هذا كله من الظاهر.إنما يرسم «صورة نفسية» تتضح بهذا كله وترتسم حواليها تلك الظلال كلها.ظلال الخزي والمهانة،والخجل والندامة: «يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ،وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا» ! ومن خلال اللمسات المعبرة في الصورة الحية،نحس بكل تلك المعاني،وبكل تلك الانفعالات،وهي تتحرك في هذه النفوس ..نحس بها عميقة حية مؤثرة.كما لا نحس من خلال أي تعبير آخر ..وصفي أو تحليلي ..وتلك طريقة القرآن في مشاهد القيامة،وفي غيرها من مواضع التعبير بالتصوير [1] .
وقد بدأ الدرس بالأمر بعبادة اللّه والنهي عن إشراك شيء به ..والصلاة أمسّ الشعائر بمعنى العبادة.وفي الآية التالية بيان لبعض أحكامها،وأحكام الطهارة الممهدة لها: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى - حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ - وَلا جُنُبًا - إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ - حَتَّى تَغْتَسِلُوا.وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ،أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ،أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ،فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا،فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ.إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا» ..
إنها حلقة في سلسلة التربية الربانية للجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الإسلامي من سفح الجاهلية - وكانت الخمر إحدى تقاليد المجتمع الجاهلي الأصيلة الشاملة وإحدى الظواهر المميزة لهذا المجتمع.كما أنها تكاد تكون ظاهرة مميزة لكل جاهلية في القديم والحديث أيضا ..الخمر كانت ظاهرة مميزة للمجتمع الروماني في أوج جاهليته وللمجتمع الفارسي أيضا.وكذلك هي اليوم ظاهرة مميزة للمجتمع الأوربي والمجتمع الأمريكي في أوج جاهليته! والشأن أيضا كذلك في جاهلية المجتمع الإفريقي المتخلفة من الجاهلية الأولى! في السويد - وهي أرقى أو من أرقى أمم الجاهلية الحديثة - كانت كل عائلة في النصف الأول من القرن الماضي تعد الخمر الخاصة بها.وكان متوسط ما يستهلكه الفرد،حوالي عشرين لترا.وأحست الحكومة خطورة هذه الحال،وما ينشره من إدمان فاتجهت إلى سياسة احتكار الخمور،وتحديد الاستهلاك الفردي،ومنع شرب الخمور في المحال العامة ..ولكنها عادت فخففت هذه القيود منذ أعوام قليلة! فأبيح شرب الخمر في المطاعم بشرط تناول الطعام.ثم
(1) - يراجع بتوسع كتاب: «التصوير الفني في القرآن» وكتاب: «مشاهد القيامة في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )